أنا كل الفتيات I Am All Girls
هادي ياسين
الواقع إن معظم المعنيين بالسينما في العالم لا يعرف الكثير عن سينما جنوب افريقيا ، هذا البلد الذي يقع في أقصى الطرف الجنوبي من القارة الإفريقية ، ذلك على الرغم من أنها أقدم سينما في القارة و أكثرها تطوراً و تعتمد استوديوهات ذات مواصفات عالمية متقدمة و أن تاريخ السينما في هذا البلد يبدأ من العام 1896 ، و أنها ترشحت و فازت بالأوسكار عام 2006 ، عن فيلمها ( توتسي ) للمخرج ” جافن هود ” ، و كانت قد تقدمت للترشيح لهذه الجائزة أكثر من مرة ، لكن أول فيلم جنوب افريقي لقي اشادة عالمية هو فيلم ( لابد أن الآلهة مجنونة ) ، عام 1980 ، للمخرج ” جيمي أويس ” ( 1929 ــ 1996 ) . سينما جنوب أفريقيا لها حضور في الفعاليات السينمائية الدولية ، لكن الجمهور السينمائي العالمي لا يعرف عنها الكثير ، ربما بسبب عدم الترويج الإعلامي ، على عكس عدد من سينما دول القارة الأفريقية الأخرى التي حظيت باهتمام عالمي واسع . و كانت جنوب أفريقيا قد قدمت فيلماً للأوسكار عام 1989 لكنه لم يتم ترشيحه ، و قدمت فيلماً للمخرج ” داريل رودت ” عام 1984 ، تم ترشيحه لكنه لم يفز . أيضاً لم يفز بها عام 2009 الفيلم المترشح ( المقاطعة 9 ) للمخرج ” نيل بلوكامب ” . لكن فيلم ( يو- كارمن إخايليتشا ) فاز بجائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2005 . و رغم ذلك فإن سينما جنوب أفريقيا بحاجة الى تحريك إعلامي أكثر ليتعرف عليها الجمهور السينمائي العالمي .و نحن لو تابعنا هذه السينما لوجدنا فيها الكثير من الأفلام التي تستحق المشاهدة ، و أن صنّاعها و كوادرها التمثيلية تتمتع بامكانيات إبداعية عالية . سنجد ــ مثلاً ــ أن ” ايريكا ويسليس ” بطلة هذا الفيلم ( أنا كل الفتيات ) ذات سجل حافل بالترشيحات و الجوائز في ميادين السينما و المسرح و المسلسلات التلفزيونية .هذا الفيلم ــ الذي تصدّر قائمة أفضل عشرة أفلام لمنصة ( نتفلكس ) عام 2021 ــ يعتمد أحداثاً واقعية ، مع نفحة من الخيال السينمائي ، و هذه الأحداث تتمثل في جريمة منظمة داخل جنوب افريقيا ، كانت قائمة لفترة طويلة دون الكشف عنها قبل عام 1994 حين تم إلقاء القبض على ” غيرت دي جاغر ” على خلفية اختطاف ست فتيات لم يتم العثور عليهن .و أثناء التحقيق يذكر المتهم أن وزيراً ، هو عضو في ( الحزب الوطني ) الجنوب افريقي ، ضالعٌ في عمليات الاختطاف ، من دون أن يذكر اسمه خشية أن تتم تصفيته و هو في الزنزانة ــ كما قال أثناء التحقيق معه ــ و هذا ما حصل فعلاً .تم تكليف المحققة ” جودي سنيمان ” ( ايريكا ويسليس ) بتولي ملف هذه الجريمة ، و يمنحها مسؤولها المباشر ” جورج ” ( موثوسي ماجانو ) فرصة أخيرة ، مذكّراً إياها بفشلها في مهمتين سابقتين ، و في الوقت إياه يذكّرها بنقص التمويل المالي لأية عملية ، و يسلك هذا المسؤول ذاتَ السلوك الذي نجده في الأفلام الأمريكية التي يظهر فيها مشككاً في قدرات ضباطه المحققين و محبطاً اياهم . بل إن ” جورج ” لم يكن مشككاً بقدرات المحققة ” جودي ” فحسب إنما كان جافاً و صلفاً معها و لم يظهر أنه كان أذكى منها . فيما تظهر زميلتها ” نتمبيزونك باباي ” ( هلوبي مبويا ) نشاطاً خفياً و سريعاً في الملاحقة و الانتقام ما يثير التساؤل حول دورها في المهمة و في الفيلم و الذي يُفترض أنه يقتصر حول عملها في الطب العدلي ، ولكنها تمارس قتلاً هنا و هناك ، مرتدية قناعاً تمساحياً ، ما يخلق ارتباكاً لدى المشاهد في فهم دورها ، ولكن الفيلم يبث إشارات خفية ناعمة حول علاقة حميمية بينها و بين المحققة ” جودي ” .. دون إفصاح .أثناء التحقيقات سنكتشف أنها جريمة اتجار بالبشر على مستوى دولي ، تضطلع بها شخصيات محلية و أشخاص من أصول هندية ، و يرد فيها ذكر ايران و دول الخليج . ذِكرُ عام 1994 الذي تنطلق منه أحداث الفيلم ، يعني ذروة الفصل العنصري في ( جنوب افريقيا ) و يعني بدء تمدد ايران ( الجمهورية الإسلامية ) في القارة الافريقية . و في المشهد الأخير من الفيلم يوحي زي مضيفات الطائرة الخاصة الخليجية أن ( الشيخ ) الذي يتولى هذه التجارة هو من دولة الإمارات التي ترتدي مضيفات طيرانها الوشاح الأبيض ، كما سنرى في الفيلم ، و هذا الاستنتاج ليس قطعياً ، لكن المخرج ” دونوفان مارش ” هو الذي أوحى لنا بذلك ، أكان يدري أو لا يدري ، متقصداً كان أم غير متقصد .لكن الموضوع الذي يتناوله الفيلم يحيلنا إلى جريمة يدور الحديث عنها في العراق اليوم ، تتعلق بفتوى المفاخذة التي تبيح للرجل البالغ أن يقضي وطره مع صبية غير بالغة ، ذلك أن الضحايا اللواتي يتناول الفيلم قضيتهن إنما هن ( قاصرات ) ، و هؤلاء راح القضاء العراقي ــ في ظل النظام الحالي ــ يُشرْعِنُ الزواج منهن ، فيما هي جريمة في بلدان العالم .أول رد فعل ، بعد اثارة القضية التي يتناولها الفيلم ، كان مع ” أوبا كاريل دوفينهاج ” الذي قُتل في مرآب منزله و عُثر على جثته في متنزه ، و قد تم نقش رموز مطرزة بالدم على صدره المكشوف ، و تم التأكد من أنه كان يغتصب حفيدته القاصرة ” ليزل ” باستمرار ، و أذ ذكَّرت المُحققةُ ابنته بجرائم أبيها الجنسية التي أُحيل بسببها الى المحكمة ، سابقاً ، تُجيبُ الابنة بأنه ثبتت براءته منها ، و هي تعلم أن أباها كان مجرم اغتصاب ، ما يعني أنها ــ ربما ــ تتكتم على أفعال له معها ، و يُحرّك سيناريو الفيلم الاعتقادَ بأنه هو الوزير المنتمي الى ( الحزب الوطني ) الذي أشار إليه المتهم ” غيرت دي جاغر ” في التحقيق الذي أظهرته المَشاهد الأولى من الفيلم . الرغبة الجنسية ليست أمراً هيناً بخصوص التحكم بسلوك الإنسان ، فقد نتجت عن هذه الرغبة الشخصية الجامحة سلوكيات غير منضبطة قادت إلى جرائم ، و قادت الى افراغها لدى أقرب الأشخاص .. في عَمىً سلوكي لا أخلاقي . لكن الذي حصل ــ مع تنامي الثروات ــ هو أن أصحاب الثروات باتوا يؤسسون مزارعهم الجنسية ، فيما هم أنفسهم ينشرون في خطاباتهم ( القيم الأخلاقية ) خارج أسوارها .إنشاء المزارع الجنسية أباحها الأثرياء ، أما عمليات الخطف لتمويل تلك المزارع فقد نظمتها العصابات ، و خاصة تلك التي نشأت في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ، و التي كانت تقنع الفتيات الروسيات الجميلات و فتيات بعض بلدان أوروبا الشرقية بإيجاد فرص عمل لهن في الولايات المتحدة و كندا ، و عندما يصلن يجدن أنفسهن قد وقعن في الفخ ، إذ يتم بيعهن الى الملاهي الليلية أو دور الدعارة أو شركات إنتاج الأفلام الإباحية ، لذلك نجد ــ عند البحث ــ أن النسبة الكبيرة من هذه الفتيات هن من أصول روسية ، مع نسبة أقل لفتيات من بلدان أوروبا الشرقية ، أما الفتيات السود فإن النسبة الكبيرة منهن من الولايات المتحدة ، و هذا الفيلم يوحي أن نسبة منهن تعود أصولهن ــ مباشرةً ــ الى دول افريقية و منها جنوب افريقيا التي تدور أحداث هذا الفيلم فيها .. و هو من انتاجها .فيلم ( أنا كل الفتيات ) فيلم مسبوك .. و يستحق المتابعة# سبنما العالم# مجلة ايليت فوتو ارت ..


