قصة قصيرةأيام الخير – محطة القطار القديمة ✍️الاديب : محمد حمزه لي أمام محلتنا الصغيرة، كانت محطة القطار القديمة تقف كحارس وفيٍّ للذاكرة. مبناها المبني بالطابوق الأحمر، وساعتها الكبيرة التي تعلوه، كانت تشبه قلبًا ينبض بانتظام، يُذكّر أهل المنطقة بأن الزمن يمضي ولكن ببطءٍ مفعم بالطمأنينة. مع كل عصر، يتجمّع الناس عند الرصيف. وجوههم متلهفة، عيونهم مشدودة نحو الأفق. ما أن يصدح صفير القطار من بعيد، كأنينٍ طويل يقترب من القلوب قبل الآذان، حتى تتحرّك الأرواح. الأطفال يركضون نحو السكة، والكبار يتهيأون وكأنهم على موعد مع عيدٍ يوميٍّ متجدد. سيارات التكسي القديمة تصطف أمام البوابة، بألوانها الباهتة وأصوات محركاتها الثقيلة. قبلها كانت العربات التي تجرها الخيول، بجلودها اللامعة ورائحة العرق الممزوج بالغبار، تصبر في انتظار المسافرين. كأن كل وسيلة نقل هنا لها روح، تشارك الناس فرحتهم وحنينهم.لحظة وصول القطار كانت أشبه بمسرحٍ حيّ. رجل يترجّل من العربة فيرتمي في أحضان أمه التي انتظرته شهورًا. فتاة تلوّح بمنديلها الأبيض لوالدها العائد من سفرٍ طويل. تاجر يتعجّل فتح عربات البضائع، يقفز قلبه فرحًا حين يرى صناديق تجارته سليمة كما تركها في بغداد. وهناك جندي بملابسه العسكرية، يقبّل يد أبيه ويحتضن أبناء حارته واحدًا واحدًا. أما الطلاب، فقد كان لهم نصيب آخر من هذا المشهد. في حدائق المحطة المليئة بالورود، كانوا يجلسون متحلّقين حول دفاترهم. بعضهم يراجع دروسه بصوتٍ مسموع، وآخرون يرسمون بأقلامهم على أوراقٍ بيضاء أحلامًا عن مستقبل قادم. كثيرًا ما كانوا يتوقفون عن المذاكرة، يرفعون رؤوسهم حين يسمعون دويّ عجلات القطار على السكة، وكأنهم يستمدون الأمل من هذا الحديد المندفع نحو الغد. وكانت المحطة أيضًا ساحة لقاءات الجيران والأحبة. العم أبو سعيد لا يمرّ يوم إلا ويجلس على المقعد الخشبي قرب الرصيف، سيجارته في يده، يتبادل الأحاديث مع معارفه. أم حسن كانت تحضر مع بناتها الصغيرات، فقط ليشاهدن القطار ويمتلئن دهشة. حتى العجائز، كنّ يجدن في ضجيج المحطة عزاءً للوحدة، وكأن صوت القطار يذكّرهن بأن الحياة لا تزال تمضي، وأن هناك دائمًا من يعود. مع غروب الشمس، كانت الألوان تزداد جمالًا: شعاع ذهبي ينعكس على عربات القطار المعدنية، يضيء وجوه الناس المليئة بالتعب والرضا. ورائحة الشاي التي يعدها بائع صغير عند باب المحطة تمتزج برائحة الورود، فتجعل من المكان مهرجانًا للحواس. وشرطي السكك عيدان النحيف جداً كان دائم الحضور بهندامه العسكري المرتب وعصا التبختر لا تفارق يمناه وكأنه يقول للناس بأن المحطة هذه فيها نظام يعلو على كل شيء. ذلك الزمن كان مختلفًا. لم يكن الانتظار ثقيلًا، بل كان يحمل في طياته معنى اللقاء. لم تكن ضوضاء المحطة مصدر إزعاج، بل كانت موسيقى يومية. كان للقطار رهبة وهيبة، لكنه أيضًا كان رسولًا للأمل، وحاملًا للقصص التي لا تنتهي. أيام الخير تلك لم تكن مجرّد ذكريات بل كانت حياةً بسيطة، مليئة بالحب، بالصدق، وبالمعنى الحقيقي للزمن الجميل.#الشرق تايمز # مجلة ايليت فوتو ارت


