حياة الفهد: ذاكرة لا تغادرنا
في المشهد الثقافي العربي، هناك أسماء تمرّ، وأسماء تبقى، ثم هناك أسماء تتحوّل إلى جزء من الوجدان.
حياة_الفهد كانت من هذا النوع الأخير! ليست مجرد فنانة، بل ذاكرة حيّة سكنت البيوت قبل أن تسكن الشاشات.
منذ بداياتها، لم تكن تسعى إلى اللمعان بقدر ما كانت تسعى إلى الصدق. حملت شخصياتها بإنسانيتها الثقيلة: الأم التي تخبّئ قلقها خلف الصبر، المرأة التي تقاوم قسوة الحياة دون أن تفقد كرامتها، والإنسانة التي تشبهنا في ضعفها بقدر ما تشبهنا في قوتها. لهذا لم نشاهدها فقط، بل صدّقناها… وعشنا معها.
لم تكن أدوارها تمثيلًا بقدر ما كانت توثيقًا لحياةٍ كاملة، حياة البيوت الخليجية والعربية، بتفاصيلها الدقيقة، بأصواتها، بوجعها الصامت، وبحبّها الذي لا يُقال كثيرًا. كانت مرآةً لزمنٍ يتغير، وشاهدةً على تحولات المجتمع، وصوتًا نسائيًا صادقًا في عالمٍ كثيرًا ما يُختزل فيه هذا الصوت.
إن أثرها الحقيقي لا يُقاس بما قدّمته من أعمال فقط، بل بما زرعته من شعور: ذلك الإحساس بأن الفن يمكن أن يكون قريبًا، حميميًا، يشبهنا ولا يتعالى علينا. وهذا ما يجعل حضورها ممتدًا، لا تحدّه لحظة ولا يختصره خبر.
وإذا كان الغياب – أيّ غياب – يترك فينا هذا الفراغ الثقيل، فإن ما يخفّف وطأته هو اليقين بأن بعض الأشخاص لا يرحلون حقًا. يبقون في تفاصيلنا، في ذاكرتنا، وفي تلك اللحظات الصغيرة التي نعود فيها إلى أنفسنا فنجدهم هناك.
عزاؤنا جميعًا أن ما منحته لنا حياة الفهد من صدقٍ وجمال لن يُفقد، بل سيظل حيًا فينا…
نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يغفر لها، ويجعل ما قدّمته في ميزان حسناتها، وأن يلهم قلوبنا جميعًا الصبر والسلوان.


