كتب علي خليفة عن مسرحية جمهورية فرحات للدكتور يوسف ادريس، ومحاولة تجسيد حلم المدينة الفاضلة.

حلم المدينة الفاضلة في مسرحية جمهورية فرحات للدكتور يوسف إدريس
كثيرا ما يتطلع بعض الفلاسفة والمفكرين والأدباء في بعض كتاباتهم لوجود عالم مثالي على الأرض أو في كوكب آخر أو في غير ذلك، كما نرى ذلك في كتاب الجمهورية لأفلاطون، وكتاب المدينة الفاضلة للفارابي، وكتاب يوتوبيا لتوماس مور.
ويعد أرسطوفان أهم كاتب مسرح في العصور القديمة كان يتطلع من خلال بعض مسرحياته لتحقيق العالم المثالي أو المدينة الفاضلة على الأرض، كما نرى ذلك في بعض مسرحياته التي وصلتنا، كمسرحية السلام، ومسرحية المال، ومسرحية برلمان النساء.
وسأكتفي في هذا المقال بعرض ما تطلع إليه يوسف إدريس من تحقيق المدينة الفاضلة على الأرض في مسرحيته القصيرة جمهورية فرحات، وقد كتب يوسف إدريس موضوع هذه المسرحية على هيئة قصة قصيرة أولا، ثم حولها لمسرحية بعد ذلك، وكانت هذه المسرحية مع مسرحية ملك القطن مدخله للكتابة المسرحية التي أثبت أنه أهم كتابها في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين.
وبطل هذه المسرحية هو الصول فرحات الذي يقوم بعمل الضابط النوباطجي قي أحد أقسام البوليس – في فترة الخمسينيات – وهو متضايق من كثرة من يأتونه ليكتب لهم شكاوى، وهو بخبرته يرى أكثرها شكاوى كيدية، وأن الضرر الأكبر فيها عليه هو؛ لأنه يضطر لسماع من يبلغون بهذه الشكاوى وكتابتها، واتخاذ ما يلزم بشأنها.
ويضايق الصول فرحات أيضا أن يكون حال المجتمع بهذا الشكل في الانشغال بالأمور التافهة أو غير المهمة، وكيد البعض للبعض الآخر، وتبرز بعض الشكاوى التي تقدم بها بعض الأشخاص للصول فرحات لعمل محضر بها تفاهة بعض هذه الشكاوى، أو عدم أهمية بعضها، ومن ذلك حضور امرأة مسنة لتشكو شابا؛ لأنه يعاكسها، وتطلب إلى الصول فرحات أن يحضره هنا حتى يعنفه، ولا يعاكسها،ثم نكتشف بعد إحضار الصول فرحات هذا الشاب أن هذه المراة المسنة هي التي تراود هذا الشاب الخجول ليهتم بها، وتهمس له في القسم بأنه إن لم يهتم بها فسوف تأتي بها مرات أخرى للقسم، فيومئ لها بموافقته على الاهتمام بها.
وأيضا من الأشخاص الآخرين الذين جاءوا للقسم للشكوى وعمل محضر امرأة حامل جاءت لتشكو من بعض التساء من أقارب زوجها السابق؛ لأنهم دخلوا السينما معها ومع خطيبها الحالي، وضربوها على بطنها؛ ليسقطوا حملها، فلا تنال نفقة عليه.
وكذلك كان من الأشخاص الذين دخلوا على الصول فرحات القسم بعض أشخاص بينهما كمسري وعامل، والكمسري والعامل رأساهما مربوطان، وآثار الدم ظاهرة عليهما، دلالة على أنه كانت بينهما مشادة، وانتهت بهذه الإصابات، ويتصل الصول فرحات بالإسعاف؛ لإسعاف هذين الرجلين، ولما يتأخر رجال الإسعاف في الوصول ينصرف كمسري الترام والعامل، ومعهما الرجال الذين اصطحبوهم للقسم.
ويظن الصول فرحات أن شابا أمامه في مكتب النوباطجي جاء ليقدم شكوى، ولك يكن يعرف أنه مقبوض عليه، ووضع في ذلك المكتب؛ لأنه لا مكان له في الحجز، فيتحدث معه عن شكواه من الأشخاص الذين يأتون إليه؛ ليكتب لهم محاضر، ورأيه في أن أكثرها كيدية، ويقدم الصول فرحات صورة أخرى متخيلة للمجتمع غير الصورة التي يراها من خلال من يأتون له؛ ليكتب لهم محاضر، فيتخيل مجتمعا مثاليا، ويعرضه على هذا الشاب على أنه فيلم من تأليفه، ويرى أنه لو تم تنفيذه فسيكون أفضل من كثير من الأفلام التي كانت تعرض في ذلك الوقت.
وحكاية هذا الفيلم الذي ألفه الصول فرحات وحكاه لهذا الشاب فيه تصوره للمدينة الفاضلة المغايرة للواقع الذي يعيشه، وهذه الحكاية عن شخص هندي ثري زار مصر، ووقع منه خلال وجوده في مصر من خاتمه فص زمرد غالي الثمن، ورآه أحد المصريين، فرده له، ورفض منه أخذ أي مبلغ مكافأة له على ذلك، فازداد إعجاب الرجل الهندي به، وجعله رفيقه طوال إقامته في مصر، وعندما سافر منها اشترى عدة أوراق لوتارية باسم هذا الشخص المصري، وربحت إحداها مبلغا كبيرا، فتاجر به هذا المصري، وكثرت أمواله، فأنشأ عدة مصانع، وجعل بجوار هذه المصانع منازل تحيطها حدائق ووسائل ترفيه، وعمل في هذه المصانع كثير من المصريين، وسكنوا هذه المنازل، كما أن هذا الشخص المصري قد اشترى أراضي زراعية كثيرة واستصلح غيرها، وعمل فيها كثير من الفلاحين المصريين بأحدث الآلات الزراعية، وبعد كل هذا تنازل هذا الشخص عن كل ذلك للمصريين.
وخلال حكي الصول فرحات لهذه الحكاية كان يضطر لقطعها لسماع بعض الشكاوى ممن يأتون إليه لعمل بعض المحاضر، ولكنه كان يواصل حكيه لذلك الشاب الذي اكتشف بعد انتهاء حكيه لهذه الحكاية له أنه متهم.
وفي اعتقادي أن يوسف إدريس حين ألف هذه المسرحية – والقصة التي استلهم منها هذه المسرحية – كان يرى في مبادئ ثورة ٢٣ يوليو التي بدأ بعضها في التحقق ما يدعوه لهذا الحلم اليوتوبي، فكان يأمل أن يتحقق حلم مدينة الصول فرحات في المدينة الفاضلة من خلال تحقيق مبادئ هذه الثورة.
#علي خليفة#المسرح العالمي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم