الدكتور علاء حسين بشير… حين يلتقي مشرط الجرّاح برؤية الفنان
قراءة في تجربة تشكيلية عراقية تستنطق الإنسان والذاكرة والوجود
يُعدّ الفنان التشكيلي العراقي الدكتور علاء حسين بشير الجبوري، المعروف باسم علاء بشير، من الشخصيات الفنية العراقية التي تميّزت بتعدد مجالاتها الإبداعية، إذ جمع بين الطب والفن التشكيلي، وامتلك تجربة فنية اتجهت من الانطباعية في بداياتها إلى السريالية، مستكشفاً عوالم الإنسان الداخلية وما تختزنه من قلق وألم وأسئلة وجودية.
البدايات والتكوين الفني
وُلد علاء بشير عام 1939 في مدينة خانقين بمحافظة ديالى، وانتقلت عائلته لاحقاً إلى بغداد، حيث أكمل دراسته الأولية. التحق بكلية الطب في جامعة بغداد، وفي الوقت نفسه درس في معهد الفنون الجميلة ببغداد خلال الفترة 1959–1961، جامعاً بين التكوين العلمي والاهتمام المبكر بالرسم. تخرّج في كلية الطب عام 1963، ثم تخصص في الجراحة التقويمية والتجميلية في بريطانيا وفرنسا خلال أوائل السبعينيات. وقد أتاح له هذا المسار المزدوج التعامل مع الجسد الإنساني من منظور طبي، ومقاربته فنياً بوصفه مجالاً للتعبير عن التجربة الإنسانية.
من الانطباعية إلى السريالية
بدأت تجربته الفنية في خمسينيات القرن العشرين، وشارك في معارض جمعية التشكيليين العراقيين ومعارض جماعة الانطباعيين العراقيين. ومع تطور تجربته، أخذت أعماله تبتعد تدريجياً عن التمثيل البصري المباشر، وتتجه نحو السريالية، حيث تتداخل الصورة الواقعية مع الرمز والخيال والتكوينات غير المألوفة.
في أعماله، لا يظهر الجسد الإنساني مجرد موضوع للرسم، بل يتحول إلى حامل لدلالات الألم والخوف والهشاشة والصراع من أجل البقاء. وتبدو الشخصيات أحياناً قلقة أو مشوهة أو غامضة الملامح، في تكوينات تستدعي التأمل في العلاقة بين الحياة والموت، وبين الواقع المرئي والعالم النفسي الكامن خلفه.
الإنسان في قلب التجربة
شكّلت مشاهد الحرب والإصابات التي عايشها خلال عمله الطبي أحد السياقات المهمة لفهم جانب من تجربته التشكيلية. غير أن أعماله لا تقتصر على توثيق المأساة بصورتها المباشرة؛ فهي تعيد صياغة الألم في لغة بصرية تستند إلى الرمز والتخييل والتوتر التعبيري.
ومن هنا تتجاوز لوحاته حدود الحكاية الفردية لتلامس أسئلة أوسع تتعلق بكرامة الإنسان، والعنف، والمصير، وقدرة الفن على مواجهة القسوة دون أن يفقد حساسيته الجمالية.
الرسم والنحت والذاكرة العراقية
لم تقتصر تجربة علاء بشير على الرسم، بل امتدت إلى النحت، حيث وظّف الكتلة والفراغ والرمز في معالجة موضوعات إنسانية وتاريخية. ومن أبرز أعماله النحتية نصب «الاتحاد» في بغداد، الذي يتناول الحب بين الرجل والمرأة، ونصب «الصرخة»، المرتبط بمأساة ملجأ العامرية خلال حرب الخليج عام 1991.
وتكشف هذه الأعمال عن توجه فني يمنح الشكل أبعاداً تتجاوز قيمته الجمالية، ليصبح وسيلة لاستحضار الذاكرة الجماعية والتعبير عن الفقد والمحنة الإنسانية.
الحضور الفني والمعارض
شارك الفنان في معارض داخل العراق وخارجه، وعُرضت أعماله في مدن عديدة، من بينها بغداد وباريس ولندن وروما وموسكو والدوحة. كما اقتُنيت أعماله ضمن مجموعات ومؤسسات فنية، من بينها المتحف الوطني العراقي ومتحف الفن الإسلامي في قطر ضمن مجموعات الفن الحديث ذات الصلة، إلى جانب مؤسسات ومجموعات أخرى.
وحصل على جوائز وتكريمات فنية، من بينها الجائزة الذهبية في المعرض الدولي الثنائي في بغداد عام 1988، وجائزة الدولة للفنون الجميلة في العراق عام 2003، وفقاً للسيرة المنشورة لدى مركز قطر للفنون.
خلاصة التجربة
إن تجربة الدكتور علاء بشير تقدم نموذجاً لتداخل المعرفة العلمية مع الرؤية التشكيلية، من دون أن يعني ذلك اختزال الفن في المهنة الطبية أو تفسير جميع أعماله من خلالها. فخصوصية تجربته تكمن في قدرته على تحويل المشاهد القاسية والأسئلة الوجودية إلى صور فنية مشحونة بالرمز والدلالة.
وبهذا المعنى، يحتل علاء بشير مكانة لافتة في مسار الفن العراقي الحديث، بوصفه فناناً جعل الإنسان محوراً للتأمل، واستخدم الرسم والنحت لاستكشاف المناطق المعتمة من التجربة البشرية، حيث يتجاور الألم مع الأمل، والموت مع الحياة، والواقع مع الخيال.
( عباس الصحاف )


