في ألواح الطين التي خرجت من رحم مدن أوغاريت وبابل لم تكن الأساطير مجرد حكايات تُروى حول النار بل كانت محاولة الإنسان الأولى لفهم سرّ الحياة والموت وارتجاف القلب أمام الحبّ والغياب
وهناك بين رائحة البخور وصدى المعابد ارتفعت أسطورة تموز وعشتار كأنها أنشودة حزينة كُتبت بدموع الآلهة نفسها.
كانت عشتار سيّدة الحبّ والخصب والحرب تعرف جيداً أن النزول إلى العالم السفلي ليس عبوراً عادياً بل هو دخول في فم العتمة.
تعرف أن أبواب الموت لا تُفتح بسهولة وأن من يهبط إلى هناك يعود ناقص الضوء مكسور الجناحين أو لا يعود أبداً.
ومع ذلك نزلت.
كأن الأسطورة أرادت أن تقول إن المرأة الأولى لم تكن كائناً هامشياً في ذاكرة الحضارات القديمة بل كانت محور الكون نفسه.
هي التي تمنح الخصب للحقول وتجعل السنابل تنمو وتوقظ الينابيع من نومها الحجري.
ولذلك حين تغيب عشتار يذبل العالم معها.
تجفّ الأشجار وتموت الأغاني في حناجر الرعاة ويتحوّل القمح إلى رماد أصفر تحت شمس قاسية.
أما تموز.
ذلك الإله الجميل الرقيق الراعي الذي يشبه مواسم الربيع فقد بدا في الأسطورة أضعف من عشتار لا لأنه بلا قيمة بل لأن الحضارات الأولى كانت لا تزال تحفظ في أعماقها رهبة الأم الكبرى.. المرأة التي خافها الإنسان القديم كما عبدها.
فالرجل يومذاك كان ما يزال يتعلّم كيف يمسك صولجان السلطة بينما كانت المرأة قد سبقت الجميع إلى العرش المقدّس منذ عهود الكهوف الأولى حين ارتبطت في المخيلة بسرّ الولادة وتجدد الحياة.
لهذا لم يكن تموز إلهاً منتصراً.
بل كان أشبه بزهرة برّية جميلة تقطفها الفصول ثم تعيد إنباتها كل عام.
يموت في قيظ الصيف ثم يعود مع المطر وكأن موته ليس سوى دورة حزينة من دورات الطبيعة نفسها.
وحين ضحّت به عشتار لم تكن التضحية خيانةً لعشيق بل كانت الطقوس القديمة ترى في ذلك ثمناً لاستمرار الكون.
فالخصب يحتاج إلى فداء والحياة لا تنبت إلا فوق شيءٍ مات.
ولهذا كانت نساء الشرق القديم يبكين تموز كل عام كما لو أنهن يبكين الحقول اليابسة والأحبّة الغائبين والأعمار التي تذروها الرياح.
إنها أسطورة لا تتحدث عن آلهة فقط.
بل عن الإنسان الأول حين وقف مذهولاً أمام سرّ المرأة فرفعها إلى مرتبة السماء.
وحين خاف الموت اخترع لعودته قصة عشقٍ بين إلهة تهبط إلى الجحيم وحبيبٍ يموت كي يبقى الربيع ممكناً.
وهكذا ظلّ تموز وعشتار عبر آلاف السنين ليسا مجرد اسمين في ألواح طينية عتيقة.
بل رعشةً قديمة تسكن ذاكرة الشرق كلما أزهرت الأرض بعد مطر أو بكت امرأةٌ على حبيبٍ غاب مع الفصول.
عاشق أوغاريت…غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


