كتب :د.غسان القيّم..حين كان الفجر يخرج من البحر عند رأس شمرا.وتتفتح السماء بلون الطين المبلّل.

حين كان الفجر يخرج من البحر عند رأس شمرا
وتتفتح السماء بلون الطين المبلّل
كان الكتبة في مدينة اوغاريت
يجلسون قرب الألواح الرطبة
ينقشون كلمات لا تُكتب للحظة
بل لتبقى ما بقيت الشمس تعود من الشرق.
ومن بين تلك الحكم التي تشبه التراتيل
كأنها خرجت تواً من بين أصابع كاتبٍ بلّل الطين بالماء
يمكن أن تُسمع هذه الحكمة
كأنها سطر من أسطورة لم تكتمل:
“الرجل الذي لا يغتفر للمرأة هفواتها الصغيرة
لن يتمتع بفضائلها الكبيرة.”
فجر الأسطورة على ألواح الطين
في الأساطير القديمة
لم تكن المرأة مجرد ظلّ في الحكاية
بل كانت مثل الأرض نفسها
تعطي
وتغضب
وتخطئ
ثم تعود فتعطي أكثر.
كانوا يعرفون أن من يريد خصب الحقل
عليه أن يحتمل قسوة الشتاء
ومن يريد نور الفجر
عليه أن يعبر عتمة الليل.
فكيف يطلب رجلٌ من امرأة
أن تكون مثل الإلهة في عطائها
وهو لا يحتمل أن تكون مثل البشر في زلاتها؟
حكاية تشبه عناة حين غضبت ثم أحبت
في تراتيل عناة
لم تكن الإلهة دائماً هادئة
كانت تثور
وتكسر
وتبكي
ثم تعود فتحرس الحياة بيدين من نور.
ولو أن الآلهة نفسها لا تخلو من العاصفة
فكيف يطلب إنسان من امرأة
أن تكون بلا هفوة
ولا نسيان
ولا لحظة ضعف؟
إن الرجل الذي يقف عند الزلة الصغيرة
يشبه من ينظر إلى غيمة عابرة
وينسى أن وراءها مطراً يحيي الأرض.
ترتيلة فجر أوغاريتي منقوشة على طينٍ طري
يا من تكتب على الطين قبل أن يجفّ
اكتب هذه الحكمة كما تُكتب أسماء الآلهة:
لا أحد ينال خصب الأرض
إن كان يخاف من شقوقها.
ولا أحد ينال دفء القلب
إن كان يحصي نبضاته.
فالمرأة التي تعطيك فضائلها الكبيرة
لن تعيش معك
إن كنت تحاكمها على هفواتها الصغيرة.
اغفر
كما تغفر الأرض للمطر حين يجيء متأخراً
واصبر
كما يصبر الفجر قبل أن يكتمل الضوء
حينها فقط
ستعرف أن القلب الذي يتسع للخطأ
هو نفسه الذي يتسع للحب.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصورة المرفقة مدينة اوغاريت كما تخيلها لنا الذكاء الاصطناعي

أخر المقالات

منكم وإليكم