كأن الزحف الإسمنتي لم يكتفِ بأن يبدّل شكل البيوت بل مدّ يده الثقيلة إلى ما هو أعمق: إلى الروح ذاتها.بيوت التراب تلك التي كانت تُبنى من كرم الأرض وبساطة الأيدي. لم تكن جدراناً فقط بل عهداً غير مكتوب بين الإنسان والطبيعة. حفنة طين قبضة تبن ماء جارٍ وقلوب تعرف طريقها إلى بعضها بلا مواعيد. كان البيت يُرفع كما تُرفع الدعوات: بتعاون الجيران بابتسامة العابر وبقهوةٍ تُصبّ على عجل لأن الوقت للجميع.اليوم حين تمرّ قرب أطلال تلك البيوت لا تسمع صخب الهدم فقط بل صمتاً ثقيلاً يشبه النسيان. رائحة البخور التي كانت تتسلّق عتبات الخشب العتيق صارت ذكرى وخبز التنور الذي كان يوقظ الصباحات صار حنيناً يُستدعى بالكلام. حتى الخشب وقد اسودّ من الدخان كان يحتفظ بدفء الأيدي التي لامسته وبأسرار ليالٍ طويلة لم تعرف الكهرباء لكنها عرفت السكينة.ليس الإسمنت هو المتهم وحده المتهم ذاك التحوّل الخفيّ حين فاضت الجيوب بما لم تعد الرؤوس تحتمله. حين صرنا نبدّل الصفاء بالواجهة والوداعة بالعلوّ والجيرة بالأسوار. كأن المدينة بقربها أو بعدها مدّت ظلالها على القرى فأكل الزمان وشرب من نبع الطيبة وبهت الأخضر وتعب الوجه الحسن وتثاقلت الأرض والقلب معاً.ومع ذلك لا تزال رائحة التنور قادرة على أن تشقّ الإسمنت. لا يزال بخور الجدّات يجد طريقه في الذاكرة ولا يزال الخشب العتيق يهمس:البيوت تُهدم نعم لكن إن بقيت الحكاية حيّة بقيت القرية.فالقرية ليست طيناً فقط بل يدٌ تمتدّ بلا حساب وقلبٌ يتّسع قبل أن يضيق ورأسٌ يعرف أن ما يفيض من الجيوب لا قيمة له إن لم تحتمله الأرواح. أقول إن كانت بيوت الطين قد همست فلأن روحكم من أنصت لها أولاً. وأنا لم أفعل سوى اني وضعت أذني على جدار الذاكرة فخرج الصوت كما هو نقيّاً متعباً قليلاً لكنه صادق.بيوت الطين لا تحب الضجيج تحب من يمرّ عليها ببطء من يشمّ الخبز قبل أن يراه ومن يفهم أن التشققات في الجدار ليست عيوباً بل تجاعيد عمرٍ جميل. همسها لا يسمعه إلا من بقي في قلبه متّسع للبخور ولخشبٍ شرب الدخان والحنين معاً.سعيدٌ أن كلماتي وصلت اليكم كما تُراد لها أن تصل:كفنجان قهوة على عتبة بيت طيني قديموككسرة خبز ساخنة تُكسَر لا تُقطَعوكدعاءٍ يُقال همساً كي لا يوقظ الإسمنت النائم حوله.دمتَم من الذين يُعيدون للأشياء صوتهافالبيوت مثل البشر تحيا حين تجد من يُصغي لها.د.غسان القيم 𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎 # من صفحة د. غسان ال٤يم # مجلة ايليت فوتو ارت.


