كتب: د.غسان القيم..”المطرة بأيار بتمّون الفلاح وبقراته وبتجّوز ولاده وبناته”

“المطرة بأيار بتمّون الفلاح وبقراته وبتجّوز ولاده وبناته”
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
في شهر أيّار حين يلين وجه السماء بعد عناد الشتاء وتعود الغيوم كأنها قوافل رحمةٍ ضلّت الطريق ثم وجدته كان الفلاح السوري يرفع رأسه نحو الأفق لا بعينٍ قلقة بل بقلبٍ يترقّب وعداً قديماً..
وعد الأرض حين تعانقها القطرة الأخيرة.
يقولون: “المطرة بأيار بتمّون الفلاح”
وكأنّ هذه المطرة ليست ماءً فحسب بل مفاتيح خزائن الغيب. فهي التي تُشبِع سنابل القمح قبل أن تنحني وتُثقِل رؤوسها ذهباً يليق بمواسم التعب الطويل.
هي اللمسة الأخيرة التي تُتممّ الحكاية فتتحوّل الأرض من وعدٍ إلى حصاد ومن رجاءٍ إلى يقين.
وفي ظلّ هذه السماء تمتلئ جرار القمح وتُربَط أكياس الشعير وتُحفظ المؤونة كأنها صلاةٌ مجفّفة لأيام القحط.
عندها يبتسم الفلاح لا لأنه نجا فقط بل لأنه انتصر بصبره على تقلبات الفصول.
“وبقراته”
حتى المواشي تشعر ببركة أيّار فالمراعي تكتسي خضرةً متأخرة، كأنها هدية الوداع من الربيع. تمتلئ الضروع بالحليب وتصبح الحظائر عامرةً بالدفء والغنى. وكأن المطر يقول:
لم أنسَ أحداً.. لا الإنسان ولا الحيوان.
“وبتجّوز ولاده وبناته”
هنا يبلغ المثل ذروته فالمطر لا يُنقذ البطن فقط بل يُنقذ الحلم.
حين تمتلئ البيوت بالمؤونة وتطمئن القلوب ..
يبدأ الفلاح بالتفكير في الفرح المؤجّل. تُضاء الساحات وتُسمع الزغاريد ويُزفّ الأبناء على إيقاع مواسم الخير.
كأن مطرة أيّار تتحوّل إلى خاتمٍ في يد عروس وإلى بسمةٍ في وجه أبٍ طال انتظاره.
هكذا لم يكن مطر أيّار مجرّد ظاهرة عابرة بل كان خاتمة الطقوس الزراعية وخاتم البركة الذي يُختم به العام.
فإن جاء اكتملت الحكاية.. وإن غاب بقي في القلب فراغ يشبه سنبلةً لم تنضج.
إنه مثلٌ لا يُقال فقط.. بل يُروى كأنشودةٍ من تراب كترتيلةٍ قديمة كانت الأمهات يهمسن بها للأرض
علّها تُنجب موسماً لا يخيب.

د.غسان القيم

أخر المقالات

منكم وإليكم