كيف تقرأ العمل الفني؟كتب د. عصام عسيري لم يعد العمل الفني في سياقه المعاصر مجرّد نتاج بصري يُستقبل بالإعجاب أو النفور، بل أصبح نصًا مفتوحًا على التأويل، قابلاً للقراءة وإعادة القراءة وتعدد المعاني. فكما يُقرأ النص الأدبي عبر مستوياته اللغوية والدلالية، يُقرأ العمل الفني عبر طبقاته البصرية والرمزية والسياقية. وتكمن أهمية القراءة الفنية في كونها تُحوّل المشاهدة من فعلٍ سلبي إلى ممارسة فكرية وجمالية واعية.من المشاهدة إلى القراءة، التمييزبين النظر والقراءةالمشاهدة فعل آني لا واعٍ تلقائي، بينما القراءة فعل معرفي واعٍ مقصود. النظر يلتقط الشكل، أما القراءة فتسعى إلى تفكيك العلاقات البصرية، وفهم منطق البناء، واستكشاف المعنى الكامن خلف السطح. وفي الفن المعاصر تحديدًا، لا يقدّم العمل نفسه بوصفه حقيقة جاهزة، بل كاحتمال مفتوح يستدعي مشاركة المتلقي في إنتاج المعنى.القراءة الشكلية، المدخل الأول لفهم العملتبدأ القراءة الفنية من تحليل العناصر التشكيلية الأساسية، وهي لغة العمل الأولى:الخط: اتجاهه، حدّته أو ليونته، إيقاعه البصري، ودوره الدلالي التعبيري. في كثير من التجارب التشكيلية المعاصرة يتحول الخط إلى أثر نفسي أو طاقة داخلية.اللون: ليس زينة سطحية، بل حامل دلالي وثقافي، يرتبط بالذاكرة والهوية والمزاج العام للعمل.الملمس: سواء أكان حقيقيًا في النحت أم موهمًا في الرسم، فهو يعكس علاقة الفنان بالمادة والزمن.الكتلة والفراغ (في النحت): علاقة الحضور والغياب، وكيف يصبح الفراغ عنصرًا فاعلًا لا مساحة مهملة.هذه المرحلة لا تُنتج تفسيرًا نهائيًا، لكنها تؤسس للفهم.القراءة التركيبية، منطق البناء الداخليينتقل القارئ هنا إلى دراسة العلاقات بين العناصر مثل: كيفية توزيع الكتل والمساحات، التوازن أو التوتر داخل التكوين، مسار حركة العين وبؤرة التركيز. في الفن المعاصر، كثيرًا ما نشهد تكوينات غير مستقرة أو متشظية، تعكس قلق الإنسان وتحولات المكان والهوية.القراءة الرمزية، تفكيك المعنى والدلالةالعمل الفني المعاصر يميل إلى الرمز بدل المباشرة. وتتمحور هذه القراءة حول، الأيقونات البصرية المتكررة (الجسد، المعمار، الحرف، الأثر، الطبيعة)، جذورها الثقافية والتاريخية، علاقتها بالتجربة الذاتية للفنان.الرمز هنا ليس زخرفًا، بل لغة مشحونة بالأسئلة الوجودية والاجتماعية.القراءة السياقية، العمل داخل زمنه ومكانهلا يمكن فصل العمل الفني عن سياقه مثل: السياق الثقافي: التحولات الاجتماعية والفكرية في العالم العربي. السياق التاريخي: اللحظة التي أُنتج فيها العمل. السياق الشخصي: سيرة الفنان وخبرته الحياتية. بهذا المعنى، يصبح العمل الفني وثيقة بصرية تعبّر عن موقف من العالم.القراءة النفسية والتأويلية:العمل كمرآة داخلية، هنا يتحول العمل إلى مساحة إسقاط مثل: ما الشعور الذي يولده؟ لماذا يستدعي القلق أو السكون؟ كيف تختلف القراءة باختلاف الخلفية الثقافية للمتلقي؟ لا تبحث هذه القراءة عن معنى واحد، بل عن تجربة إنسانية صادقة.خصوصية قراءة النحت المعاصر، قراءة النحت تتطلب وعيًا مختلفًا مثل: علاقة العمل بالمكان (الفراغ العام أو الخاص)، وحركة الجسد حول العمل، وأثر الضوء على السطح. في النحت المعاصر، تتحول المادة ذاتها إلى خطاب بصري يعكس علاقة الإنسان بالمكان والذاكرة والتحول.المتلقي بوصفه شريكًا في المعنى، نظرية التلقي، الفن المعاصر يعترف بتعدد القراءات؛ فالمعنى لا يُغلق داخل نية الفنان، بل يتشكّل من التفاعل بين العمل والمتلقي. وهنا تصبح القراءة فعلًا إبداعيًا موازياً.ختامًا، القراءة الفنية كفعل وعي، إن قراءة العمل الفني في السياق العربي المعاصر ليست ترفًا نقديًا، بل ممارسة ثقافية ضرورية، تتيح فهم الذات والواقع وتحولات الإنسان بلغة بصرية عميقة. وكل قراءة جادة للعمل الفني هي، في جوهرها، قراءة للإنسان والزمن والمكان.اللوحات للفنانين: حمود شنتوت، ناظم حمدان، وفيفيان الصايغ.. @نشرت بجريدة الرياضhttps://www.alriyadh.com/2173694


