حكاية الفنان العالمي أ. بهتان الزايف
في أحد الأزقة التي تختبئ خلف صالات العرض المكيّفة، ظهر رجلٌ بليد الهيئة وقح المنطق قبيح التصرفات، لا يشبه الفنانين في شيء. لم يكن يحمل حقيبة ألوان، ولا دفتر اسكتشات، ولا حتى فكرة واحدة عن الفرق بين الأكريليك والزيت والماء. كان اسمه الأستاذ العالمي بُهتان الزايف.
هذا الأستاذ بهتان لم يقرأ يوماً كتاباً في الفن ابداً، بل إن علاقته الوحيدة بالزيت كانت عندما كان يخلط الطحينة بالشطة على صحن الفول. ومع ذلك، قرر في لحظة تجلٍّ غامضة أن يصبح… فناناً تشكيلياً عالمياً.
كيف؟
ببساطة شديدة: “إذا كان العالم مليئاً باللوحات الغامضة، فلماذا لا أكون أنا أيضاً غامضاً؟”
البداية العبقرية:
دخل بهتان أول معرض فني في حياته ببيت التشكيليين. وقف أمام لوحة تجريدية مليئة بالخطوط والبقع، ظل يتأملها طويلاً… ثم همس لصديقه بلهان: “هل انسكب الحبر على اللوحة؟ أم هذا هو العمل؟” ردّ الصديق: اسكت… هذه لوحة تُقدَّر بعشرين ألف ريال.”
هنا لمعت عينا بهتان الزايف مثل مصباحين موفّرين، وقال بثقة: “إذا كان هذا فناً… فأنا عبقري منذ الطفولة.”
ومن تلك اللحظة قرر الدخول إلى عالم الفن التشكيلي، لا كمتذوق… بل كفنان ومنظم معارض ورئيس جمعيات ونجم عالمي.
اختراع الأسلوب الجديد:
في اليوم التالي اشترى قماشاً وألواناً، لكنه اكتشف مشكلة بسيطة: أنه لا يعرف الرسم ولا يلوّن.
ففكر قليلاً… ثم قذف بالفرشاة على اللوحة، ثم سكب قليلاً من اللون البنفسجي، ثم تعثر بعلبة الأسود فسقطت فوق القماش.
وقف يتأمل النتيجة… ثم قال بإعجاب شديد: “يا سلام! هذا هو… التجريد الانفجاري العاطفي.”
لم يفهم ما قاله، لكنه أعجبه بالتأكيد.
بيان فني خطير:
ولأن كل فنان عالمي يحتاج إلى بيان فلسفي، كتب بهتان تعريفاً لأعماله: “أنا أشتغل على تفكيك الوعي البصري عبر إسقاطات لونية تتجاوز مركزية الشكل.”
لم يفهم هو نفسه الجملة، لكنه كان سعيداً لأنها طويلة جداً.
النقاد الضائعون:
عندما عرض أول لوحة، وقف أحد النقاد أمامها متجهماً وسأل: “ما الفكرة المفاهيمية أوالقيمة التعبيرية للعمل؟”
ابتسم بهتان بثقة وقال: “الفكرة هي… أن لا تكون هناك فكرة، وأن يكون التعبير خالٍ من الشعور.”
هزّ الناقد رأسه بإعجاب وقال: “يا له من طرح ما بعد حداثي حقير!”
أما بهتان فكان يفكر في داخله: “الحمد لله أنه لم يسألني كيف رسمتها، لقد نجوت لم يطلبني إعادة رسمها.”
ورش فنية عالمية:
بعد عدة معارض، أصبح بهتان يقدم ورشاً ولقاءات فنية يحضرها عدد قليل من الغُشم والتافهون.
كان يقف أمام صغار الفنانين ويقول بوقار: “الفن ليس مهارة… الفن إحساس، ولا تهتموا بقواعد الأكاديميين.”
ثم يأخذ فرشاة ويرميها على اللوحة. الطلاب يصفقون…
وهو يفكر: “آه لو عرفوا أني لا أعرف حتى رسم شجرة وأن معظم لوحاتي الشهيرة اشتريتها من شوارع سوريا ووقّعت عليها بأسمي…”
اللحظة الكاشفة:
في أحد الأيام اقترب طفل صغير من لوحته وقال بصراحة الأطفال القاتلة: “عمو… لماذا سكبت العصير على القماش؟”
تجمد بهتان قليلاً…
ثم قال بهدوء المتفلسفين: “هذا ليس عصيراً… هذا صراع الوجود.”
فقال الطفل: “لكن أمي تفعل نفس الشيء عندما ينسكب العصير.”
النهاية العظيمة:
بعد سنوات صار بهتان نجماً في المعارض، وصارت لوحاته تُباع بأسعار مرتفعة، وصار يلقَّب بالفنان العالمي الكبير.
لكن المشكلة الوحيدة أنه كلما نظر إلى لوحاته في الليل كان يسأل نفسه: “هل أنا فعلاً فنان… أم أنني فقط أكثرهم جرأة في الكذب والتمثيل؟”
ثم يهز كتفيه راقصاً ويقول: “لا يهم… المهم أن اللوحة بيعت ووجدت دِلخ يصدّق دجلي.”
الخلاصة الساخرة:
وهكذا اكتشف بهتان سرّاً عظيماً في عالمه الجديد: ليس كل من حمل فرشاة صار فناناً…
لكن بعضهم صار نجماً لأنه أجاد الكلام والتمثيل أكثر من الرسم.
أما الفنان الحقيقي…
فكان يجلس بصمت في زاوية المرسم وكأنه يشاهد فِلم جريمة غير منظمة مشاهد كوميدية وأكشن تافهة وجماهير معميّة، لكنه ينتظر فناناً يعرف الفرق بين بقعة اللون… والعمل الفني، ونقاداً يطهّروا الساحة من هذا العبث المستطير.
شخصيًا، كم رأيت في حياتك مثل الأستاذ بهتان؟
د. عصام عسيري


