أحاديث عشاق
1
بقدرة قادر، اجتمعنا ثلة من العشاق الفاشلين، في كنف شجرة وارفة الظل ، اختارتها ذروة أحد الجبال الشاهقة لتشرف على سفوح ووديان شتى ، وعلى غيم واطئ يتنزه فوق تلك الرياض، ليحجب أو ليكشف جماليات طبيعة باذخة التبرج.
قالوا لي:
قل مالديك، فأنت أحدثنا سناً.
فقلت :
بلغني أن ” سعادة أماني ” زميلتي في الصف السابع الإعدادي، كانت تتلصص على دفتري للإنشاء وتأخذ عنه، فساءني ماسمعت. بيد أن سعادة في درس الجغرافية، كانت تلتفت إليٌ من مقعدها في الصف الأول، مشعة بابتسامة محتشمة ،بينما كان دم كثير يصعد إلى وجنتيها ويضيئ خجلاً لا يرقى إليه وصف، فتبرد ناري.
وذات يوم، انتحت سعادة بي جانباً ، ابتسمت ، ورجتني أن أكتب لها موضوعاً إنشائياً ، لا تقرأه أمامنا، بل لتدسه تحت وسادتها.
فأهملت دروسي، وتفرغت لكتابة مواضيع شتى عن الربيع، والخريف ، والصيف، والشتاء، والمعلم، والحرفي، والزبال، وبائع الكعك، وعن أشواك الصبار، وثمار الزعرور والبرقوق، وعن حصى الطرقات، وغبار الكتب، وانبلاج الصباح من العتمات، وعن غير ذلك كثير….. ووضعت كل ذلك في دفتر أنيق وأهديتها إياه، فدسته في صدرها، وابتسمت.
وفي نهاية السنة الدراسية، سالت المسافات بنا متباعدين، كل في اتجاه من جهات الله الواسعة.
لم أجنِ من ذلك الحب سوى تلك الابتسامة.
دققوا النظر يا رفاق الحب، لاتزال تلك الإبتسامة تشرق في جوارحي.
انظروها تنبثق من تلافيف الغيم، تشع في الندى على العشب وأوراق الأشجار ، تسيل في ماء الينابيع، ترقص على مويجات البحار ، تمطرها السماء كلما حزنت غيمة فيها، تحملها الريح إلى نَفَسي في كل شهيق ، وتفاجؤني كالدهشة في النوم واليقظة آناء الليل وأطراف النهار.
وعندما بدا للقوم أنني انهيت ما لدي، انفجر القوم جميعاً بالضحك ساخرين. وتوجه إلي إبن الملوح قائلا:
وكيف تجرؤ أن تسمي نفسك عاشقاً ؟! . أ بلغت بك الوقاحة كل هذا المبلغ؟!
ووافقه في السخرية مني كثيرون. حتى ان بعضهم تساءل مستنكرا: من الذي دعاك إلى مجلسنا المهيب هذا يا غشيم ؟!.
فانكفأت وخجلت وتمنيت لو ان بطن الجبل يبتلعني فلا يظهر لي أثر بعد ذلك.
2
استنفر للحديث بعدي ابن الملوح فتنحنح ثم قال:
مت عشقاً في ليلى. ثم تألبت علينا لنتباعد قوى في السماء وأخرى في الأرض. وقد بلغني ذات يوم، أن كلباً جعارياً لليلى يتجول في الحي، فنهضت من فوري أتبعه على مسافة منه لاتثيره فيغضب مني ، ولا تبعده عني فأفقد لذة القرب من أثر من آثار ليلى . يمشي ، فأمشي في إثره ، يقف ، فأقف مأخوذا به . وصرت أتملاه بالنظر والشم وبحواسي الأخرى كلها المنظور منها والمستور. وطفقت أتعقبه حتى دخل دار ليلى وغاب عن ناظري، فعدت أدراجي إلى البيت.
وفي طريق العودة، اعترضني قوم عاتبون:
_ ياابن الملوح، كيف مررت بنا ونحن نصلي، فلم تنضم إلينا، ولم تلقِ علينا، على الأقل، تحية الإسلام؟!
فقلت :
وآلله لم أركم قط. قبحكم آلله جميعا ، أنا كنت بين يدي كلب ليلى ولم يلفتني شيء مما عرض لي في الطريق، وأنتم كنتم بين يدي الله ولفتكم كلب ليلى وأنا؟!
ففغر الحاضرون أفواههم، وخجلتُ.
3
واتجهت الأنظار إلى ابن أبي ربيعة ، فتململ قليلا في مكانه، ثم قال:
بلغني أن نعمى قد استحمت في غدير . وقال مبلغي: أنها شوهدت تقطع ذلك الغدير من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، فعبق الماء بعطر جسدها، وبريح أنفاسها الطيبات. فهرعت، من فوري إلى الغدير أعب من مائه حتى أتيت على كل مابه من ماء، فانتشيت وامتلأت بها…..
فتأوه الجالسون، وضحكت في سري : معهم حق يسخرون مني ، فأنا أحتاج ليوم كامل لأشرب زجاجة مياه الدريكيش، فما بالكم بمياه غدير لجب كالذي استحمت به نعمى !!!! .
4
اقترح أكبرنا سناً ، أن لا يسهب المتحدث في ذكر تفاصيل لاجدوى من ذكرها فللعشاق قواسم مشتركة كثيرة ، تنظمهم جميعاً. ثم أشار على امرئ القيس أن يقول مالديه فقال:
لوعني الحب، كما لوعكم، وعانيت من صباباته كما عانيتم وأكثر. ارتشفتني نساء كثيرات، وارتشفتهن، لكنني لازلت أذوب كلما صوبت ” جنى ” سهام عينيها نحوي.
ألا تذكرون ما قلت وردده عرب كثيرون بعدي :
“وما ذرفت عيناك إلا لتضربي
بسهميك في أعشار قلب مُقَتٌلِ “.
فهز كثير من الحاضرين رؤوسهم موافقين، وفعلت مثلهم .
5
ثم جاء دور كثير، فقال:
امحى الكون كله حولي، إلا منها.
ولا شك أن عشاقا كثيرين قد رددوا معي ماقلت في هذا السياق :
” أريد لأنسى ذكرها فكأنما
تَمَثٌَلُ لي ليلى بكل سبيل ” .
6
ثم نهض الأحوص فقال :
ما من أحد أسقمه الحب مثلي ، أ ولست القائل :
” إذا قلت أنني مُشتَفٍ بلقائها
فحُمٌَ التلاقي بيننا زادني سقماً”
فوافقناه، وشعرنا أنه أبلغنا حقاً ، إذ أن حبا حقيقيا، يطفئ اُوار جذوته وصال ما ، هو حب لا يعتد به.
7
عندما جاء دور جميل بثينة، اكتفى بالقول وهو دامع العينين :
” خليليا، فيما عشتما، هل رأيتما
قتيلا بكى من حب قاتله مثلي ؟!”
فتعاطفنا معه متأثرين، وقلنا : هذا كثير لكنه يحدث .
8
نهض المتنبي واقفا، وأنشد دون مقدمات :
” مالنا، كلنا جوٍ يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
أ طويل طريقنا أم يطووول “
وأكمل قصيدته كلها ، ونحن صامتون كأن على رؤوسنا الطير. ثم صفقنا له طويلا . وكان يستحق.
9
ولم يشأ أبو العتاهية أن ” يخرج من المولد بلا حمص ” ، فأنشدنا:
” مرت اليوم شاطرة
بضة الجسم ساحرة
إن دنيا هي التي مرت
مرت اليوم سافرة
سرقوا نصف اسمها
فهي دنيا و آخرة ” .
فهززنا رؤوسنا متعجبين أن يستمر هذا الحب دنيا وآخرة.
10
قال أكثرنا سقماً في الحب :
كفى ، كفى ، قصص الحب لاتنتهي، ومقولات العشاق فيه نبع فوار لاتنضب منه الأبجديات. ولعل فيمن لم يحضروا مجلسنا هذا من هو متقدم علينا في الحب، وأكثر ولوغاً في متاهاته، ولربما قد ذاق من مرارته علقما أمر مما ذقناه نحن.
ها هي شمسنا تغرب ، والعتمة تستيقظ، فاذهبوا رعاكم الله، إلى زوجاتكم آمنين. فالنكد يطفئ لوعة ما في الصدور من حب .
فافترقنا في جهات الله الواسعة نحمل قلوبا ناءت بما حملت من هموم الحب.
11
انتقلت، بالتواتر، وبالنميمة أخبارنا، نحن العشاق إلى كل نفس بشرية فأصابت عدوى الحب الجميع.
وتعلم الرجال، والنساء لبس الأقنعة واجتراح ابتسامات المجاملة، بينما تهاجر قلوبهم أو قلوبهن كالسنونو إلى دفء فضاء ما.


