دنو_الأجل
ثلاثة من كبار المثقفين العرب
والعمل حتى الصمت الأخير
د.جمال العبد الله
مقدمة
من أكثر الكتاب العرب الذين أعجبت بهم، وسحرني أسلوبهم في الكتابة أو الحديث والإلقاء، ثلاثة رجال أجدني اليوم، وأنا أتأمل سيرهم، أتوقف عند ظاهرة مشتركة بينهم: نقولا زيادة (1907–2006)،
وعبد السلام العجيلي (1918–2006)
وسليمان العيسى (1921- 2013)
كنت أتابع، وأنا في سنوات أصغر قبل عشرين عاما، حركة دؤوبة لكبار السن منهم: كتابة المقالات، وإصدار الكتب، وإجراء المقابلات الإذاعية والتلفزيونية، وإلقاء المحاضرات، والمشاركة في الندوات والفعاليات الثقافية… ولم أكن يومها أتساءل كثيرًا: لماذا كل هذا الإصرار على العمل بعد أن بلغ العمر مداه؟
اليوم، ومن موقعي المختلف في العمر والتجربة، أجدني أفسر الأمر بطريقة أخرى.
ربما كان هؤلاء الكبار يشعرون، في أعماقهم، أن الزمن المتبقي أقصر مما كان، وأن أمامهم أشياء كثيرة لم يقولوا كلمتهم فيها بعد، وكتبًا لم يكتبوها، وأفكارًا لم يودعوا بها الناس.
وربما كان في داخل كل واحد منهم إحساس خفي بأن الأجل يقترب، وأن على الإنسان أن ينجز ما يستطيع قبل أن يحكم القدر عليه بالصمت إلى الأبد.
رحم الله شيخ المؤرخين العرب نقولا زيادة ، ورحم الله الطبيب الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي فقد رحلا في العام نفسه، بعد حياة طويلة حافلة بالعطاء.
1.نقولا زيادة… المؤرخ الذي أحب الناس والتعليم
كان نقولا زيادة واحدًا من أبرز المؤرخين العرب في القرن العشرين، ومن الشخصيات التي أسهمت، عبر عقود طويلة من البحث والتدريس، في تشكيل دراسة التاريخ العربي والفلسطيني في المنطقة.
وُلد في دمشق عام 1907 لأسرة فلسطينية من الناصرة، وتلقى تعليمه في جنين والقدس ولندن، ثم بدأ مسيرته الأكاديمية التي ارتبط معظمها بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث درّس التاريخ أكثر من أربعة عقود، وأشرف على أجيال من الطلاب، وأصبح واحدًا من أكثر المؤرخين احترامًا في العالم العربي.
كان غزير الإنتاج بصورة لافتة؛ كتب عشرات المؤلفات، ونشر عددًا كبيرًا من المقالات والدراسات في التاريخ العربي والإسلامي، وتاريخ فلسطين، وتاريخ الشرق الأوسط الحديث، وظل وفيًا للتدريس والبحث والمحافظة على التراث العربي والفلسطيني حتى مراحل متقدمة جدًا من عمره.
ولعل هذه الغزارة في العطاء هي التي جعلتني أتوقف عند سيرته كلما تذكرت فكرة دنو الأجل.
فالرجل لم يتعامل مع الشيخوخة باعتبارها مرحلة للتقاعد من الحياة الفكرية، بل ظل يكتب ويحاضر ويتحدث ويشارك في الحياة الثقافية وكأن الزمن لا يزال في بدايته.
وكان إلى جانب علمه مؤرخًا للحياة، وراويًا بارعًا، يستعيد الأحداث والشخصيات والوقائع بأسلوب يجعل المستمع يشعر أنه يعيشها معه.
وتُروى عنه حكاية طريفة تكشف جانبًا من شخصيته، وتكشف في الوقت نفسه مقدار تمسكه بالنزاهة.
فقد عاش زيادة سنوات طويلة في لبنان، وكان يعمل أستاذًا في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه كان يحمل جواز سفر أردني. ورغب في الحصول على الجنسية اللبنانية، فاستشار محاميًا أخبره أن بعض الإجراءات قد تصبح أسهل لو جرى «التلاعب» قليلًا في أماكن وتواريخ ميلاد أفراد الأسرة.
رفض زيادة ذلك رفضًا قاطعًا.
وبعد سنوات عاد إلى المحامي وقال له، بمعنى ما روي عنه: لقد ولدتُ في دمشق، وزوجتي ولدت في القدس وهي من أصل لبناني، وابني باسم وُلد في بيروت؛ فاعمل بهذه الوقائع كما هي، ولا تطلب مني أن أكذب.
وحذّره المحامي من أن التكلفة أصبحت أعلى بكثير، بعد أن كانت نحو 300 ليرة، وصارت في حدود 900 أو 1000 ليرة، فوافق زيادة دون تردد.
وفي عام 1958 اتصل به المحامي وطلب منه الحضور، فذهب وتسلم بطاقات الهوية الجديدة له ولأفراد أسرته، وأصبحوا لبنانيين رسميًا.
سواء أكانت تفاصيل هذه الحكاية قد تناقلها الناس كما هي تمامًا أم دخل عليها شيء من الرواية الشعبية مع مرور الزمن، فإن معناها ينسجم مع الصورة التي عُرف بها الرجل: حرص شديد على الصدق، وعدم الاستهانة بالكذب حتى حين يكون في وسعه أن يحقق به مصلحة شخصية.
وكان زيادة أيضًا صاحب ذاكرة وحضور شفهي استثنائيين.
يُحكى أنه في إحدى رحلات القطار التي استغرقت نحو ست ساعات، ظل طوال الطريق يروي القصص والحكايات. وعندما وصل إلى جامعته، التف حوله الطلاب والأساتذة ليستمعوا إلى بقية ما لديه، وكأن الرحلة لم تكن سوى مقدمة لحكايات أخرى.
وهنا ربما نفهم جانبًا من سر تأثيره في أجيال من الطلاب.
فبعض الأساتذة يمنحونك المعلومات، وبعضهم يمنحونك طريقة في التفكير، أما الأستاذ الكبير فيمنحك شغفًا بالمعرفة نفسها.
وهذا ما يبدو أن نقولا زيادة فعله طوال حياته.
رحم الله هذا المؤرخ الكبير الذي عاش قرابة قرن كامل، وظل حتى أواخر أيامه يكتب ويتحدث ويعلم ويروي.
ولعل الأجمل في سيرته أنه لم يكن يكتب التاريخ باعتباره ماضيًا انتهى، وإنما كان يحمل الماضي حيًا في ذاكرته، ويعيده إلى الحياة بالكلمة والحكاية.
2.عبد السلام العجيلي… الطبيب الذي لم يتوقف عن العطاء
أما عبد السلام العجيلي، فقد كان نموذجًا آخر للمثقف الموسوعي؛ طبيبًا وأديبًا وسياسيًا، جمع بين العيادة والكتاب، وبين الطب والأدب والحياة العامة.
وله قصة إنسانية طريفة تعكس تواضعه ومسؤوليته؛ فقد كان يرسل إلى أخيه الذي كان يدرس في الخارج مصاريفه الشهرية، ثم كتب إليه يومًا أنه سيتوقف عن إرسال المساعدة لأنه لن يواصل العمل في عيادته، بعد تكليفه وزيرًا للثقافة عام 1961، وأن راتبه الجديد لا يكفي لدعم أخيه.
وبعد نحو عام أو أكثر، ترك الوزارة وعاد إلى عيادته في الرقة، فكتب إلى أخيه يخبره أنه سيستأنف إرسال الدعم من جديد.
كان عبد السلام العجيلي من أولئك الذين لم تكن المناصب بالنسبة إليهم غاية، بل محطة عابرة في حياة أطول وأوسع من المنصب.
وربما لهذا بقي اسمه مرتبطًا في الذاكرة العربية بالطبيب والأديب والإنسان قبل أن يكون بالسياسي والوزير.
وفي مثل هذا اليوم، التاسع من آب عام 2013، رحل في دمشق شاعر عربي كبير آخر، هو سليمان العيسى، عن اثنين وتسعين عامًا.
3.سليمان العيسى… لقاء بقي في الذاكرة
ولسليمان العيسى عندي ذكرى شخصية لا أنساها.
ففي عام 1987 كنت أسهر في بهو جميل لدارة في حي المالكي بدمشق. دخل علينا رجل محترم، تتدفق منه الهيبة والوقار. وبعد أن قُدّم شراب «الذوات» في تلك الأيام، الكركديه المستورد من السودان، عرّفنا المضيف إلى بعضنا.
وكانت المفاجأة أن الرجل الذي يجلس قبالتي هو الشاعر الكبير سليمان العيسى، رحمه الله.
سألني من أي قرية أنا، ثم سألني عن تاريخ ميلادي. وعندما أخبرته، قال لي:
قبل ميلادك بسنتين زرت ضيعتكم كفرنبل.
وكان يقصد عام 1954، حين كان في جولة انتخابية مع مجموعة من الاشتراكيين الأوائل استعدادًا للانتخابات النيابية التي جرت في الخامس والعشرين من أيلول من ذلك العام.
قال لي إنهم عبروا من الهبيط إلى معرة حرمة وحزارين، ثم إلى كفرنبل وحاس وكفروما، وصولًا إلى معرة النعمان.
وكان الطريق يومها طريقًا زراعيًا ضيقًا، يمتد قرابة أربعين كيلومترًا، وقد جعلته وفرة الأمطار والطين رحلة شاقة للغاية. حتى إنهم، كما روى لي، استغرقوا نحو عشرة أيام للوصول إلى المعرة، التي كانت تقع يومها على الطريق العام بين دمشق وحلب.
وكانت أجمل ما في روايته حديثه عن أهل تلك القرى.
فقد أثنى كثيرًا على كرمهم وحسن ضيافتهم، وقال إنهم كانوا يأكلون وينامون في بيوت الأهالي طوال تلك الأيام، على الرغم من الفقر المدقع الذي كان يعيشه معظم سكان المنطقة، في زمن كانت فيه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خاضعة للإقطاع.
وكان أهل القرى يعدونهم بأن يمنحوا أصواتهم لمرشحي حزبهم حزب البعث ، مع أن معظمهم لم يكن يعرف الأحزاب معرفة حقيقية، ولم يكن للاحزاب يومها وجود تنظيمي اصلا في تلك المناطق لكنهم يسمعون عن الاشتراكية
وسألته يومها عن نتيجة الانتخابات.
فأجابني، وقد بدا سعيدًا بما تحقق:
لقد برَّ الفلاحون بوعدهم..
ثم ذكر أن حزب البعث حصل على 22 مقعدا وحزب التعاون الإشتراكي حصل على نائبين، أي بزيادة كبيرة عن الانتخابات السابقة.
لم أكن أعرف يومها أن هذه الجلسة القصيرة ستبقى في ذاكرتي كل هذه السنوات.
ولم أكن أعرف أيضًا أن الرجل الذي كان يحدثني عن رحلة انتخابية قام بها قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، كان يحمل في ذاكرته تفاصيل الطرق والقرى والناس والبيوت، وكأنه عاد منها بالأمس.
4.سليمان العيسى… شاعر أجيال
ولد سليمان العيسى عام 1921 في قرية النعيرية غرب أنطاكية، ونشأ في بيئة علم وأدب. حفظ القرآن الكريم والمعلقات وديوان المتنبي وآلاف الأبيات من الشعر العربي في كتّاب أبيه الشيخ أحمد العيسى.
وبعد سلخ لواء إسكندرونة، انتقل إلى حلب، ثم تابع دراسته في حماة واللاذقية ودمشق، والتحق بدار المعلمين العالية في بغداد عام 1944.
عاد إلى حلب مدرسًا للأدب العربي، وقضى في التعليم نحو عشرين عامًا، ثم أصبح عام 1967 موجّهًا أول للغة العربية في وزارة التربية.
وبعد نكسة حزيران، اتجه جانب كبير من شعره إلى الأطفال، فأصبح واحدًا من أبرز شعراء الطفولة في الوطن العربي. ورددت أجيال متعاقبة من أطفال العرب أناشيده وقصائده، ودخل كثير منها في المناهج والكتب المدرسية.
وانتُخب عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1990، واستمر في حضور جلساته حتى أقعده المرض، ثم سُمّي عضوًا فخريًا عام 2010.
وعاش سنوات طويلة في اليمن، حيث نال تقديرًا كبيرًا من الشعب اليمني والمثقفين والقيادة اليمنية، ومنحه الرئيس اليمني عام 2006 وسام الوحدة.
ترك وراءه عشرات الكتب في الشعر والنثر وأدب الأطفال والمسرح الشعري، فضلًا عن مئات المقالات والدراسات، وترجمت أشعاره إلى لغات متعددة.
ومن أعماله المسرحية التي قرأتها في المرحلة الثانوية مسرحية «الأزار الحريح»، وهي عمل رمزي ذو طابع اجتماعي ووطني، يعالج بأسلوب شعري درامي صراع الإنسان مع القهر والظلم، ويبرز فكرة التحرر من القيود التي تكبل الإرادة والكرامة.
وحصل خلال حياته على جوائز عديدة. واهمها حصل عليها بعد لقائي به في دمشق فقد منحته جامعة صنعاء الدكتوراه الفخرية عام 1997، و نال جائزة البابطين للإبداع الشعري عام 2000، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2005.
وفي التاسع من آب عام 2013، أسدل الستار.
لكن الشعر لم يسكت.
فالأصوات التي رددت قصائده في طفولتها، والأجيال التي تعلمت منه، والكتب التي تركها، والذكريات التي حملها معه من قرية إلى قرية ومن وطن إلى وطن، كلها بقيت تقول إن الإنسان قد يرحل، لكن ما أودعه في ذاكرة الناس لا يرحل معه.
نقولا زيادة، وعبد السلام العجيلي، وسليمان العيسى، و كل أولئك الذين أدركوا أن العمر مهما طال قصير، ظلوا يعملون ويكتبون ويتحدثون ويعلّمون حتى آخر ما استطاعوا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من سيرتهم:
أن لا ينتظر اكتمال العمر كي يبدأ بترك أثره؛ فربما كان أجمل ما نفعله في أيامنا الأخيرة هو أن نواصل العطاء، وكأن أمامنا عمرًا آخر.


