كتب الدكتور غسان القيم ان اوغاريت بعد سبع وتسعون عام ماتزل الواحها تفصح عن جوانب من حياة الاوغاريتيين..وثيقة طلاق الملك عميشتمرو الثاني من زوجته بنتشينا

الطلاق في أوغاريت… حين يتكلم الطين ويصمت التاريخ..سبعة وتسعون عاماً من الاكتشاف وما زالت الأسئلة معلّقة..”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””بعد سبعةٍ وتسعين عاماً على اكتشاف أوغاريت في رأس شمرة.. ما زالت ألواحها الفخارية تبوح لنا بأسرارٍ جديدة كلما أُعيدت قراءتها. فهذه المدينة التي ازدهرت على الساحل السوري خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد لم تترك لنا قصوراً ومعابد وأسواراً فحسب بل تركت أيضاً أرشيفاً استثنائياً يكشف تفاصيل الحياة اليومية لسكانها من التجارة والدبلوماسية إلى الزواج والطلاق والنزاعات العائلية.غير أن ما وصل إلينا حتى الآن من نصوص أوغاريت المترجمة ليس صورةً كاملة للمجتمع بل شظايا متناثرة من ذاكرةٍ بعيدة. فمع أن آلاف الرقم الفخارية قد اكتُشفت وترجم قسم كبير منها فإن أكثر من ثلاثة أرباع التل الأثري ما زالت مطمورة تحت التراب وما زالت نصوص كثيرة تنتظر من يقرأها أو يعيد تفسيرها. لذلك فإن كل حديث عن الحياة الاجتماعية في أوغاريت يبقى حديثاً عن صورةٍ غير مكتملة تتسع مع كل اكتشاف جديد.ومن بين القضايا التي تثير اهتمام الباحثين قضية الطلاق والعلاقات الزوجية. فالزواج في أوغاريت لم يكن مجرد رابطة اجتماعية أو دينية بل كان أيضاً عقداً قانونياً تُحدد فيه الحقوق والواجبات والممتلكات والالتزامات المتبادلة بين الطرفين. وقد أظهرت النصوص القانونية والوثائق الخاصة أن المجتمع الأوغاريتي عرف آليات واضحة لمعالجة الخلافات الزوجية وتنظيم الانفصال حين يصبح استمرار الحياة المشتركة متعذراً.وتشير بعض الوثائق إلى أن عقود الزواج كانت تتضمن بنوداً مالية وقانونية تنظم مصير المهر والأملاك في حال وقوع الطلاق كما تكشف عن اهتمام واضح بحماية الحقوق الاقتصادية للطرفين. وفي عدد من الحالات تبدو المرأة الأوغاريتية أكثر حضوراً في المشهد القانوني مما قد يتخيله البعض، إذ تظهر في النصوص مالكةً ومورثةً وشاهدةً ومُطالِبة بحقوقها أمام السلطات المختصة.لكن الحقيقة العلمية تقتضي القول إن معرفتنا الدقيقة بأسباب الطلاق وتفصيلاته ما تزال محدودة. فالنصوص التي وصلت إلينا لا تقدم قانون أحوال شخصية متكاملاً بالمعنى الحديث بل وثائق متفرقة وعقوداً وقضايا جزئية تسمح بإعادة بناء بعض ملامح الواقع الاجتماعي دون أن تكشفه كاملاً. ولهذا فإن كثيراً من الاستنتاجات التي يوردها الباحثون تبقى محاولات تفسيرية تستند إلى الأدلة المتوافرة لا حقائق نهائية مغلقة.ولعل أشهر قضية زوجية وصلت إلينا من أرشيف أوغاريت ليست قضية بين رجل وامرأة من عامة الناس بل قضية ملكية هزّت أروقة القصر نفسه وهي قضية طلاق الملك “عميشتمرو الثاني” من زوجته الأمورية بنتشينا ابنة أحد ملوك أمورو. فقد كشفت الوثائق الدبلوماسية المتبادلة بين أوغاريت وأمورو والحيثيين عن نزاع معقد تجاوز حدود الأسرة ليصبح قضية سياسية إقليمية استدعت تدخل القوى الكبرى في ذلك العصر. ومع ذلك وبرغم كثرة الدراسات التي تناولت هذه القضية فإن دوافع الطلاق الحقيقية وتفصيلات الخلاف بين الزوجين ما تزال موضع نقاش بين الباحثين حتى الآن.إذ تتحدث النصوص عن النتائج والإجراءات أكثر مما تتحدث عن المشاعر والأسباب المباشرة.وهنا تكمن إحدى روائع أوغاريت وأحد أسرارها في آنٍ واحد فهي تمنحنا من خلال ألواحها الفخارية لمحاتٍ نادرة عن حياة البشر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام غيرت ..لكنها تترك مساحات واسعة للصمت والتأويل. نقرأ أسماء الملوك والملكات والقضاة والشهود ونعرف قيمة التعويضات والهبات لكننا لا نسمع أصوات أصحاب القضية أنفسهم ولا نعرف تماماً ما دار خلف أبواب البيوت أو في أروقة القصور.إن الطين الأوغاريتي لا يخبرنا فقط أن الطلاق كان موجوداً، بل يكشف أن المجتمع امتلك أدوات قانونية لمعالجته وتنظيم آثاره. غير أنه يذكرنا أيضاً بحدود معرفتنا التاريخية فبعد ما يقرب من قرن على اكتشاف أوغاريت ما زالت كثير من الأسئلة الكبرى معلقة: كيف كانت تُتخذ القرارات داخل الأسرة؟ وما حجم الدور الذي لعبته الأعراف الاجتماعية مقارنة بالقانون المكتوب؟ وما الأسباب الحقيقية التي كانت تدفع الأزواج إلى الانفصال؟أسئلة ما زالت تنتظر جوابها في ألواح لم تُكتشف بعد. أو في نصوص اكتُشفت منذ زمن لكنها لم تُقرأ القراءة الأخيرة بعد.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎الصورة المرفقة رقيم فخاري مكتشف في مدينة اوغاريت تضمّنت ترجمته وثيقة طلاق الملك عميشتمرو الثاني من زوجته بنتشينا..

#عاشق اوغاريت د. غسان القيم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم