كتب: أ. خضر ياغي ياغي.قــراءة في تجربة أديبات سوريات صنعن بالكلمة ذاكرةً تقاوم النسيان..

#أســبوع المـــــرأة الكـاتـبـــة

حيـــن يصبــــح القـلم شــــاهداً على التـــاريـــخ

قــراءة في تجربة أديبات سوريات صنعن بالكلمة ذاكرةً تقاوم النسيان..

ليــست الحروب وحدها من تصنع التاريخ، بل الكلمة التي تنجو من الركام، والذاكرة التي ترفض أن تُمحى، والأقلام التي تُصرّ على أن تجعل من الألم شهادةً للحياة. وفي المشهد الثقافي السوري، برزت أسماء نسائية استطاعت أن تحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة، والرواية إلى وثيقة، والشهادة الإنسانية إلى جزء من الضمير الجمعي.
لقد حملت الأديبات السوريات، كلٌّ بطريقتها، همَّ الإنسان السوري، ووثّقن ما عجزت عنه الصور والأخبار العابرة، فغدت أعمالهن سجلاً أدبياً وإنسانياً يحفظ تفاصيل مرحلة عصيبة من تاريخ سوريا، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم ما جرى بعيون الأدب وصدق التجربة.

سمر_يزبك… حين تصبح الكتابة ذاكرة وطن

تمثل الروائية والصحفية سمر يزبك أحد أبرز الأصوات الثقافية السورية التي كرّست قلمها لتوثيق التجربة السورية منذ عام 2011. ففي أعمالها مثل تقاطع نيران وبوابات أرض العدم وتسع عشرة امرأة، لم تكتفِ بالسرد الأدبي، بل قدّمت شهادات إنسانية نابضة بالحياة، تنقل أصوات الضحايا والهامش والمنسيين.
وقد تحدثت عن المرحلة التي أصابها فيها الصمت الأدبي تحت وطأة مشاهد العنف، لتتجه نحو التوثيق الميداني وحفظ الذاكرة الجماعية، إيماناً منها بأن الحقيقة تستحق أن تُروى، وأن الشهادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون عملاً إبداعياً. كما أسهمت في تأسيس منظمة «نساء الآن من أجل التنمية» دعماً لتمكين المرأة السورية.

روزاياسينحسن… الرواية بوصفها وثيقة إنسانية

استطاعت روزا ياسين حسن أن تمزج بين الحس الروائي والبعد التوثيقي، فجاءت أعمالها شاهدة على التحولات التي عاشها المجتمع السوري. ففي روايتها الذين مسّهم السحر أعادت رسم البدايات الأولى للأحداث السورية من خلال شخصيات تحمل همّ التوثيق بالكلمة والصورة، بينما قدّم كتابها نيغاتيف شهادات مؤلمة عن معاناة السوريات داخل المعتقلات السياسية، ليغدو الأدب مساحة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان.

رزان_زيتونة… الكلمة في مواجهة الانتهاك

رغم أن رزان زيتونة عُرفت أساساً كمحامية وناشطة حقوقية، فإن دورها في توثيق الانتهاكات جعلها جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي والحقوقي السوري. فقد أسهمت في تأسيس مركز توثيق الانتهاكات، الذي عمل على رصد ما يجري وإيصال الحقيقة إلى العالم، فنالت تقديراً دولياً واسعاً وجوائز مرموقة في مجال حقوق الإنسان وحرية الفكر.
ومنذ اختفائها القسري في مدينة دوما عام 2013، بقيت قصتها رمزاً للمصير المجهول الذي يلاحق المدافعين عن العدالة والحقيقة.

ابتسام_تريسي… سردية الإنسان في مواجهة الخراب

تمتلك الروائية ابتسام تريسي مشروعاً أدبياً واسعاً ينطلق من الإنسان السوري بوصفه محور الحكاية. وفي أعمالها مثل لمار ومدن اليمام ولعنة الكادميوم، رسمت صورة للمأساة السورية عبر لغة روائية تتجاوز التوثيق المباشر إلى بناء عالم فني يعكس صراع الإنسان مع الاستبداد والعنف والاقتلاع.
وتؤكد تريسي أن الرواية ليست إعادة كتابة للتاريخ، بل خلقٌ لواقع فني يمنح الحقيقة الإنسانية أبعادها الأعمق، وهو ما يظهر أيضاً في روايتها كاليغولا دمشق التي تستحضر صورة الطاغية من خلال التناص الأدبي والتاريخي.

هبة_الدباغ… شهادة من قلب السجن

في كتابها خمس دقائق وحسب: تسع سنوات في سجون سورية، نقلت هبة الدباغ تجربة الاعتقال بكل ما فيها من ألم وعزلة وقسوة، مقدمة واحدة من أهم الشهادات الإنسانية عن السجون السورية.
لم يكن كتابها مجرد سيرة شخصية، بل وثيقة أدبية وإنسانية ترصد أثر القمع على الإنسان والأسرة والمجتمع، وتكشف قدرة الروح البشرية على الصمود رغم أقسى الظروف.

راغدة_حسن… الرواية بوابة للحرية

عرفت راغدة حسن الاعتقال أكثر من مرة، وحملت تلك التجارب إلى نصوصها الروائية التي وثّقت حياة المعتقلين وما يرافقها من قهر وأسئلة وجودية. وفي أعمال مثل نجمة الصبح وحيث لا دمشق هنا، تبرز الذاكرة بوصفها مساحة للمقاومة، وتتحول الكتابة إلى فعل استعادة للكرامة الإنسانية في مواجهة النسيان.

ديمة_ونوس… الخوف بوصفه مرآة للمجتمع

قدّمت ديمة ونوس مشروعاً روائياً متميزاً يجمع بين العمق النفسي والتحليل الاجتماعي، حيث جعلت من الخوف محوراً لقراءة التحولات التي أصابت المجتمع السوري.
في روايتها الخائفون، تغوص في تأثير الاستبداد على النفس البشرية، بينما تستعيد في تفاصيل حميمة الذاكرة العائلية والسياسية معاً، لتؤكد أن التفاصيل الصغيرة قد تكون أصدق من السرديات الكبرى في حفظ التاريخ الإنساني.

كلمـــة أخـــــيرة
إن هؤلاء الكاتبات لم يكتفين بصناعة الأدب، بل أسهمن في صناعة الذاكرة السورية الحديثة. فقد حملن مسؤولية الشهادة في زمن الضجيج، وحوّلن التجربة الإنسانية إلى نصوص ستظل شاهدة على مرحلة فارقة من تاريخ سوريا.

إن الثقافة، حين تنحاز للإنسان، تصبح أكثر من فنٍ وجمال؛ تصبح وثيقةً للحرية، ورسالةً للأجيال، وجسراً يحفظ الحقيقة من الغياب. ولذلك ستبقى هذه الأسماء جزءاً من الضمير الثقافي السوري، بما تركته من أثرٍ أدبي وإنساني يتجاوز حدود المكان والزمان.

بقلم رئيس التحرير / مجلة إشراقات الغد
أ. خضر ياغي ياغي

مجلة إشراقات الغد

@الجميع

                        مجـــــلة إشـــــراقات الغــــد

أخر المقالات

منكم وإليكم