كتب:عماد خالد رحمة.أبو سعيد الحطيني ومصطفى البدوي : حين صار الزجل ذاكرةً لفلسطين.

أبو سعيد الحطيني: حين صار الزجل ذاكرةً لفلسطين.
مصطفى البدوي… حنجرة الجليل التي حملت الوطن إلى المنافي

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست سيرة الشاعر الشعبي الفلسطيني مجرد حكاية رجل قال الشعر في الأعراس والمناسبات، ثم انطفأ صوته بانطفاء جسده؛ فثمة أصوات شعبية استطاعت أن تتجاوز زمنها، لأنها لم تكن تنشد للفرح وحده، وإنما كانت تحفظ في الغناء ما تعجز الوثائق الرسمية عن حفظه: أسماء القرى، ولهجات الناس، وذاكرة الأرض، وأحزان المهجرين، وأفراحهم المؤجلة، وأحلام العودة.
ومن هذه الأصوات يبرز أبو سعيد الحطيني، مصطفى البدوي، أحد الأسماء البارزة في تاريخ الزجل والحداء والشعر الشعبي الفلسطيني، المنسوب إلى قرية حطين في قضاء طبريا. وتذكر مصادر فلسطينية أنه كان من أشهر الزجالين والحدّائين في مخيم اليرموك، وأنه هُجّر من حطين إلى سوريا بعد النكبة، وظل صوته حاضرا في الحياة الشعبية الفلسطينية.

وحين نستعيد أبا سعيد اليوم، فإننا لا نستعيد شخصا فحسب، بل نستعيد جزءا من الذاكرة الشفوية الفلسطينية التي كانت تنتقل من فم إلى فم، ومن عرس إلى عرس، ومن مضافة إلى مضافة، قبل أن تدخل الإذاعة، وتغادر حدود القرية إلى الفضاء العربي الأوسع.
حطين… الاسم الذي صار وطنا في الصوت

كان الانتساب إلى المكان عند أبي سعيد أكثر من لقب؛ كان فعلا من أفعال الذاكرة. فـ«الحطيني» ليس مجرد نسبة جغرافية، وإنما هو استدعاء لقرية فلسطينية ارتبط اسمها في الوجدان العربي بمعركة حطين، ثم أصبحت، في القرن العشرين، واحدة من القرى الفلسطينية التي اقتُلع أهلها من أرضهم في النكبة.
وتشير المصادر إلى أن حطين هُجّر أهلها عام 1948، وأن عائلة مصطفى البدوي كانت من العائلات التي لجأت إلى سوريا. كما تذكر المصادر أن مصطفى البدوي وأخاه محمد «أبا شكيب الحطيني» كانا من أبرز الشعراء الشعبيين في منطقة الجليل.

وهنا تكتسب كنية أبي سعيد الحطيني دلالتها الأنطولوجية: فالاسم لم يعد مجرد علامة تعريف بالشاعر، وإنما أصبح بديلا عن المكان المفقود؛ كأن الشاعر حمل حطين في اسمه بعدما تعذر عليه حملها في يديه.
لقد تحولت القرية من جغرافيا إلى لغة، ومن أرض إلى إيقاع، ومن ذاكرة فردية إلى ذاكرة جمعية.

شاعر السليقة… حين تكون القصيدة ابنة الحياة

ينتمي أبو سعيد إلى تقليد فلسطيني عريق من شعراء الزجل والحداء الشعبي، ومن الأسماء التي ارتبطت بذلك المشهد: فرحان سلام، وأبو السعود الأسدي، وأبو غازي الأسدي، وتوفيق الريناوي، ونوح إبراهيم، وأبو عبد الله الصرفندي وغيرهم.
وكان هؤلاء الشعراء يؤدون دورا يتجاوز الوظيفة الفنية الضيقة؛ فقد كانوا سجل الحياة اليومية. يحضرون الأعراس، والمناسبات الاجتماعية والوطنية، ويخوضون المناظرات الزجلية، ويرتجلون على السليقة، ويتفاعلون مع الجمهور لحظة بلحظة.
وتورد روايات من الذاكرة الشعبية مناظرات شعرية بين أبي سعيد وأبي السعود الأسدي، تكشف عن سرعة البديهة، وقوة الارتجال، وحيوية المبارزة الشعرية في الأفراح الفلسطينية القديمة.

ولذلك فإن شعر أبي سعيد لا ينبغي أن يُقرأ بمعايير القصيدة الفصحى المكتوبة وحدها؛ فهو شعر نشأ في المشافهة والأداء والصوت والجمهور. الوزن فيه ليس تفعيلة مكتوبة على الورق فحسب، بل حركة جسد، ونبرة صوت، وتكرار، وتصفيق، وإجابة جماعية، ومشهد اجتماعي كامل.
وهذه نقطة جوهرية في فهم الزجل الفلسطيني: فالقصيدة لم تكن نصا منفصلا عن الحياة، بل كانت الحياة وهي تجد إيقاعها في الكلام.

من الفرح إلى الجرح… النكبة تدخل القصيدة

قبل النكبة، كان أبو سعيد حاضرا في الأعراس والمناسبات الشعبية في قرى الجليل، حيث كان الزجل جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي. لكن عام 1948 أحدث الانقلاب العميق في وظيفة صوته.
فالشاعر الذي كان يغني للفرح وجد نفسه يغني للمنفى.
وهنا تصبح الأبيات التي قالها في أول عيد بعد النكبة، عام 1949، وثيقة وجدانية نادرة عن التحول الذي أصاب الفلسطيني:
«أجيتنا يا عيد ومالنا فيك حاجه
والعيد للي في وطنهم عزيزين
عقب ما كانت زوارنا فواج فواجا
واليوم صرنا في صف المساكين»
ثم يختصر انهيار عالم كامل في صورة شديدة البساطة:
«وعقب ما كان فراشنا حرير وسجاد
اليوم صرنا على شقف بطاطين»
هذه ليست شكوى فردية؛ إنها سيرة جماعية مكثفة في بضعة أبيات. فالسرير هنا ليس سريرا، والبطانية ليست بطانية؛ إنهما علامتان على انقلاب العالم الفلسطيني من الاستقرار إلى الاقتلاع، ومن البيت إلى الخيمة، ومن العيد إلى سؤال لا يجد جوابا.
إن قوة هذه الأبيات لا تأتي من تعقيدها، بل من قدرتها على جعل البسيط شاهدا على الكارثة.

من جوبر إلى اليرموك… المنفى بوصفه مسرحا للذاكرة

تذكر الرواية المنشورة أن أبا سعيد أقام في منطقة جوبر في ضواحي دمشق، قبل انتقاله إلى مخيم اليرموك بعد قيام المخيم عام 1954. وهناك استمر حضوره في الحياة الفلسطينية الشعبية، وظل الشعر بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على الصلة بالمكان الأول.
وفي هذا السياق يصبح مخيم اليرموك أكثر من مكان للإقامة؛ إنه إحدى أهم فضاءات الذاكرة الفلسطينية في سوريا، حيث اجتمعت أسماء القرى والبلدات الفلسطينية في فضاء واحد، وصارت الأغنية وسيلة لإعادة تركيب الوطن المبعثر.
ولذلك لم يكن أبو سعيد مجرد لاجئ يعيش في المخيم؛ كان محمولا على ذاكرة المكان، وحاملا لذاكرة جماعته.

«يا ريح سلملي على أوطاني»… الوطن حين يصبح أغنية

في عام 1969، وصل صوت أبي سعيد إلى جمهور أوسع عبر إذاعة صوت فلسطين من القاهرة، في الأغنية التي اشتهرت بمطلعها:
«يا ريح سلملي على أوطاني
عالعين سلم مورد الغزلاني»

ثم يستنجد بالطير كي يحمل رسالته إلى الأرض البعيدة:
«أمانه بسربك يا حمام الدوحي
خذني معك صوب الحبايب روحي»

وتورد المصادر الفلسطينية هذه الأغنية ضمن أبرز ما ارتبط بصوت الحطيني في مرحلة ما بعد النكبة.

هنا يتحول الوطن من مكان إلى مخاطَب شعري. لا يستطيع الشاعر الوصول إليه، فيرسل الريح والطير. وهذه واحدة من أقدم وظائف الشعر في المنفى: أن يصنع وسيلة سفر حين تستحيل وسائل السفر.
فالريح عند الحطيني ليست عنصرا طبيعيا؛ إنها رسول. والطير ليس طائرا فقط؛ إنه إمكانية العودة. والدمع ليس ضعفا؛ إنه ماء الذاكرة حين تعجز الجغرافيا عن إعادة الإنسان إلى أرضه.

شاعر الثورة… دون أن يفقد إنسانية الأغنية

ارتبط اسم أبي سعيد كذلك بالشعر الوطني والثوري، غير أن القيمة اللافتة في تجربته أنه لم يحوّل الشعر الشعبي إلى خطاب سياسي جاف. بقي الإنسان في قلب الأغنية: العيد، البيت، الفراش، الضيف، القرية، الحبيبة، الطير، الريح، الدمع.
وهذه هي قوة الشعر الشعبي حين يبلغ نضجه: أن يجعل القضية الكبرى قابلة للسكن في التفاصيل الصغيرة.
فالوطن عند الشاعر ليس شعارا مجردا، وإنما بيت وفراش وزائر وقرية وصوت أم وذاكرة عرس وطريق عودة. ولذلك كان الزجل قادرا على الوصول إلى قطاعات واسعة من الناس، لأنه تحدث بلغتهم، ومن داخل تجربتهم اليومية.

وتؤكد المصادر الفلسطينية الرسمية أن مصطفى البدوي «أبو سعيد الحطيني» كُرّم لاحقا بوسام الثقافة والعلوم والفنون، تقديرا لمسيرته في الشعر والزجل ولدوره في حفظ الهوية والتراث الفلسطيني، ووصفته بأنه من مؤسسي فن الزجل والحداء الفلسطيني قبل النكبة.
أبو سعيد الحطيني في أنطولوجيا الشعر الفلسطيني

إذا كان الشعر المكتوب قد حفظ أسماء كثيرة في دواوين وكتب ومخطوطات، فإن الشعر الشعبي يواجه خطرا مضاعفا: ضياع النص وضياع سياقه معا.

فالقصيدة الشعبية لا تعيش دائما في كتاب؛ قد تعيش في ذاكرة شيخ، أو تسجيل قديم، أو مناسبة يتناقل الناس أبياتها، أو رواية شفوية تتغير بعض ألفاظها من راو إلى آخر.
ومن هنا تأتي أهمية جمع تراث أبي سعيد الحطيني وتوثيقه في مشروع مستقل: ديوان، أو أنطولوجيا، أو أرشيف صوتي، أو دراسة علمية تجمع بين النصوص والروايات الشفوية والسياقات الاجتماعية والتاريخية.

وتكتسب هذه المهمة أهمية أكبر لأن بعض المصادر تشير إلى وجود مخطوطات من شعره، فيما ما يزال جانب من إنتاجه بحاجة إلى الجمع والتحقيق. كما أن بعض الروايات المنشورة تختلف في تفاصيل سيرته، ومنها سنة الوفاة؛ فالمادة التي استند إليها هذا النص تذكر عام 1975، بينما تورد مصادر أخرى عام 1970، وهو اختلاف يستدعي الرجوع إلى الوثائق العائلية والسجلات وشهادات المعاصرين قبل تثبيت التاريخ نهائيا.
وهذه الملاحظة ليست هامشية؛ إنها من صميم العمل الببليوغرافي. فالوثيقة الحقيقية لا تكتفي بترديد ما قيل، بل تميز بين المعلومة الموثقة، والرواية الشفوية، والذاكرة الشعبية، والاستنتاج.

إرث لا ينبغي أن ينام في الذاكرة

كان أبو سعيد الحطيني، في جوهر تجربته، شاعرا خرج من رحم الجماعة وعاد إليها بصوته. لم يكن يقف خارج الناس ليتحدث عنهم، بل كان واحدا منهم؛ ولذلك استطاع أن يجعل الزجل مرآة لمشاعرهم، وأن يمنح اللغة المحكية قدرة جمالية تتجاوز حدود المناسبة العابرة.
ومن هنا يمكن قراءة تجربته في ثلاثة مستويات متداخلة:

ببليوغرافيا: شاعر شعبي فلسطيني من حطين، اسمه مصطفى البدوي، ارتبط بالزجل والحداء والعتابا، وعاش مرحلة التحول من فلسطين ما قبل النكبة إلى الشتات الفلسطيني في سوريا، وبرز اسمه بين شعراء الجليل واللاجئين الفلسطينيين.
أنطولوجيا: صوت شعبي يجسد طبقة كاملة من الوجدان الفلسطيني؛ طبقة لم تكن تكتب تاريخها في الكتب، بل في الأغنية والحداء والمضافة والعرس والمنفى.

ذاكرة: شاعر تحولت فلسطين في تجربته من أرض مسلوبة إلى صوت لا يستطيع الاقتلاع إسكاتَه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في أبي سعيد الحطيني أن النكبة لم تستطع أن تنتزع منه حطين؛ لقد انتزعت الأرض من تحت قدميه، لكنها لم تستطع أن تنتزع اسمها من حنجرته.

لقد حملها في كنيته، وفي زجله، وفي عتاباته، وفي أغنياته، وفي حنينه إلى «الأوطان». وحين قال: «يا ريح سلملي على أوطاني»، لم يكن يخاطب الريح وحدها؛ كان يخاطب الزمن، ويستدعي الغائب، ويؤكد أن الوطن الذي يُغلق بابه في وجه الجسد يمكن أن يظل مفتوحا في اللغة.
وهكذا بقي أبو سعيد الحطيني، في الذاكرة الفلسطينية، واحدا من أولئك الشعراء الذين جعلوا المنفى مكانا مؤقتا، والوطن حقيقة دائمة، والشعر وسيلة لعدم النسيان.

إن إنصافه اليوم لا يكون بمجرد استعادة اسمه، وإنما بجمع تراثه، وتحقيق نصوصه، وتوثيق تسجيلاته، ومقارنة الروايات المتعلقة بسيرته، وإدراج شعره في أنطولوجيات الشعر الشعبي الفلسطيني؛ لأن ما يضيع من ذاكرة هؤلاء الشعراء لا تضيع معه قصائد فحسب، بل تضيع طريقة شعب كامل في تذكر نفسه.
ولذلك فإن أبا سعيد الحطيني لا ينبغي أن يبقى اسما عابرا في هوامش تاريخ الزجل الفلسطيني؛ بل يستحق أن يُستعاد بوصفه وثيقة صوتية وشعرية من وثائق فلسطين الشعبية، وأن يُسلَّم إرثه إلى الأجيال لا باعتباره ماضيا منتهيا، بل باعتباره جزءا حيا من الذاكرة التي ما زالت تقول، بصوت الريح والحنين:

للوطن الذي غاب عن العين، بقي في القصيدة.

أخر المقالات

منكم وإليكم