كتبت اميرة ناجي عن تجربة فردوس اسماعيل والتي وجدت في الجنوب والاهوار مادية فنية ملهمة.

فردوس إسماعيل
ذاكرة الجنوب في إيقاع اللون

ليست الأمكنة متساوية في قدرتها على البقاء داخل الذاكرة فبعضها يتحول مع مرور الزمن إلى جزء من تكوين الإنسان، يستعيده في صورته وإحساسه ولغته. والجنوب العراقي واحد من هذه الأمكنة التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح ذاكرة ثقافية وجمالية متوارثة. من هذه المساحة تنطلق تجربة الفنانة فردوس إسماعيل، التي وجدت في الجنوب وأهواره مصدراً لبناء عالمها التشكيلي، لا عبر النقل المباشر للمشهد، وإنما من خلال إعادة صياغته باللون والخط والإيقاع. فاللوحة لديها لا تقدم الجنوب كما تراه العين، بل كما استقر في الوجدان.

تقول الفنانة: الفن هو ذلك المتنفس الذي أستطيع من خلاله تجسيد أفكاري وإحساسي بالوجود بلغة بصرية معاصرة. تكشف هذه العبارة عن وعي واضح بوظيفة الفن في تجربتها فالعمل التشكيلي لديها متصل بالإحساس بالوجود وبالعلاقة مع البيئة، ولذلك لا تأتي مفردات الجنوب في أعمالها كموضوع خارجي، بل تدخل في تكوين رؤيتها نفسها. الأهوار والماء والفضاءات المفتوحة تتحول إلى مصادر بصرية تستدعي إحساساً بالمكان أكثر مما تسعى إلى توثيقه.

تتميز تجربتها بانحياز واضح إلى الاختزال. فهي لا تنقل المشهد الجنوبي بكل تفاصيله، ولا تنشغل بالمحاكاة الواقعية، بل تنتقي من البيئة ما يمتلك قدرة أكبر على التحول إلى علامة تشكيلية. هذه العملية تمنحها حرية الانتقال من المشهد إلى الذاكرة، ومن المرئي إلى المتخيل. ولهذا فإن المتلقي لا يقف أمام صورة فوتوغرافية للأهوار، وإنما أمام أثرها البصري والنفسي بعد أن مر عبر حساسية الفنانة.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة التجربة المكان لا يبقى موضوعاً خارج اللوحة بل يتحول إلى نظام بصري داخلها. فالفضاء المفتوح، والماء، والامتداد الأفقي، وحركة العناصر، كلها تدخل في تشكيل السطح التصويري. ولا تتعامل الفنانة مع هذه المفردات بطريقة وصفية، بل تختصرها وتعيد تنظيمها وفق علاقات جديدة بين الشكل والفراغ واللون.

ويحتل الخط موقعاً أساسياً في هذا البناء. فالخطوط في أعمال فردوس إسماعيل

لا تؤدي وظيفة تحديد الأشكال فقط وإنما تسهم في إنتاج الحركة والإيقاع. انسيابها وتداخلها يوجهان العين داخل اللوحة، ويمنحان التكوين مرونة واضحة. وفي بعض الأعمال يبدو الخط أقرب إلى مسار موسيقي يربط بين العناصر، بحيث لا تتوقف العين عند حدود شكل محدد، وإنما تستمر في الانتقال عبر شبكة من العلاقات الخطية.

هذه الحركة الخطية تكشف عن جانب مهم في تكنيك الفنانة فهي لا تبني اللوحة على كثافة التفاصيل، وإنما على العلاقة بين الكتلة والفراغ. المساحة غير المشغولة هي عنصر فاعل يتيح للأشكال أن تتنفس ويمنح التكوين توازنه. وهذا التعامل مع الفراغ مهم في موضوع يرتبط بالأهوار حيث الاتساع والأفق والماء جزء من طبيعة المشهد. لذلك يتحول الفراغ في اللوحة إلى امتداد بصري للمكان.

أما اللون، فهو أحد أكثر عناصر التجربة حضوراً وتأثيراً. تميل الفنانة إلى علاقات لونية تمنح أعمالها دفئاً وهدوءاً، لكنها لا تستخدم اللون لتزيين السطح، بل لبناء الحالة البصرية. اللون يحدد المسافات ويمنح الكتل حضورها، ويخلق إيقاعاً يتجاوب مع حركة الخطوط. وفي هذا المستوى يصبح اللون حاملاً للجو النفسي للعمل، وليس مجرد وصف للبيئة.

وتظهر أهمية اللون أكثر في ابتعاد الفنانة عن النقل الطبيعي المباشر. فهي لا تشترط أن يكون اللون مطابقاً لما تراه العين في الواقع، وإنما تسمح له بأن يتبع منطق اللوحة. وهنا تتجلى معاصرة التجربة فالبيئة الجنوبية تبقى حاضرة، لكن اللون يعيد تفسيرها وفق الحساسية الذاتية للفنانة. وهذا الانتقال من لون الطبيعة إلى لون الذاكرة يمنح أعمالها مساحة للتعبير تتجاوز المشهد المباشر.

ومن خلال التفاعل بين الخط واللون والفراغ يتشكل الإيقاع الذي يميز أعمال الفنانة الإيقاع هنا ليس حركة شكلية فقط، وإنما طريقة في تنظيم العلاقات داخل اللوحة. فالعين تنتقل بين العناصر كما تنتقل بين نغمات متتابعة، وتتشكل وحدة العمل من التوازن بين المساحات لا من ازدحامها. لذلك يمكن القول إن الجانب الموسيقي في تجربتها ينبع من البناء التشكيلي نفسه، لا من فكرة خارجية تفرض على اللوحة.

ويأتي الموروث الحضاري في هذه التجربة من بوابة المكان. فالجنوب العراقي ليس بيئة طبيعية منفصلة عن التاريخ، وإنما منطقة تختزن طبقات متراكمة من الذاكرة الحضارية والإنسانية. وعندما تستعيد الفنانة الأهوار، فإنها تقترب من جزء عميق من الذاكرة العراقية ذاكرة ارتبط فيها الإنسان بالماء والأرض والعمل والحياة اليومية. لذلك لا يظهر الموروث لديها في صورة اقتباسات تاريخية مباشرة وإنما يتشكل من خلال الإحساس بالمكان وما يحمله من تراكم ثقافي.

وهذا التعامل مع الموروث يحسب للتجربة لأن الفنانة تعيد إدخاله في بنية العمل المعاصر. التراث هنا مادة قابلة لإعادة التشكيل، والبيئة تتحول إلى لغة، والذاكرة تصبح مصدراً لبناء الصورة.

وبذلك تبتعد التجربة عن الاستعادة التقليدية للماضي، وتتجه نحو إنتاج علاقة جديدة بين المرجع الحضاري واللغة التشكيلية الحديثة.

ومن الناحية النقدية، فإن قيمة تجربة فردوس إسماعيل تكمن في قدرتها على تحويل الخصوصية المحلية إلى خطاب بصري قابل للتلقي خارج حدود المكان. فالجنوب حاضر بكل خصوصيته، لكن اللوحة لا تشترط معرفة مسبقة بتفاصيل الأهوار كي تصل إلى المتلقي. الإحساس بالماء، والاتساع، والهدوء، والحركة، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، كلها تتحول إلى عناصر إنسانية يمكن قراءتها في سياقات متعددة.

كما أن ابتعادها عن التسجيل الواقعي يمنحها مساحة أوسع للبحث التشكيلي. فهي لا تسأل فقط

كيف أرسم الجنوب؟ وإنما، بصورة ضمنية، تسأل: كيف يمكن تحويل الجنوب إلى لغة؟ وهذا السؤال هو الذي يمنح تجربتها قيمتها الفنية

لأن الانتقال من تصوير المكان إلى بناء لغة مستمدة منه يمثل خطوة من المشاهدة إلى الرؤية.

مع ذلك، فإن قوة التجربة لا تأتي من كثرة المفردات البيئية، وإنما من طريقة تنظيمها داخل اللوحة. فالمفردة الجنوبية تصبح ذات قيمة عندما تدخل في علاقة مع اللون والخط والفراغ وعندما تتجاوز وظيفتها التعريفية لتصبح جزءاً من بنية جمالية متماسكة. ومن هنا يمكن فهم أهمية الاختزال في أعمالها إذ إن تقليل التفاصيل يتيح للعلامة التشكيلية أن تكون أكثر حضوراً ويمنح المتلقي فرصة للمشاركة في بناء الصورة ذهنياً.

إن تجربة فردوس إسماعيل تقدم نموذجاً لعلاقة مختلفة بين الفنان والمكان

علاقة لا تقوم على استنساخ الواقع، وإنما على إعادة اكتشافه عبر الذاكرة. الجنوب لديها ليس مشهداً ثابتاً، بل طاقة بصرية تتجدد كلما دخلت اللوحة. والماء لا يقتصر حضوره على الموضوع، بل يمتد إلى الإيقاع واللون والفراغ. أما الخط فيتحول إلى حركة تستعيد امتداد المكان، بينما يمنح اللون العمل ذاكرته الشعورية.

لهذا تكتسب تجربة فردوس إسماعيل أهميتها من قدرتها على بناء هوية تشكيلية تنطلق من الجنوب من دون أن تُختزل فيه. إنها تستعيد البيئة الجنوبية عبر الاختزال، وتعيد صياغة الذاكرة عبر اللون، وتمنح الخط وظيفة إيقاعية تتجاوز حدود الرسم. وبين هذه العناصر تتشكل لوحة لا تسعى إلى إعادة المكان كما هو، بل إلى الكشف عما تركه المكان في الذاكرة.

إن ذاكرة الجنوب في إيقاع اللون ليست مجرد عنوان لتجربة فنية، بل مدخل لقراءة عالم تشكيلي استطاعت فيه فردوس إسماعيل أن تجعل من البيئة العراقية مصدراً للبحث الجمالي ومن الموروث الحضاري امتداداً للحاضر، ومن اللون لغة تحمل أثر المكان.

وفي هذه المسافة بين الواقع والذاكرة وبين المشهد والتشكيل، تتحدد خصوصية تجربتها وتبرز ملامح صوتها الفني.

أميرة ناجي / بغداد

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم