مرثاة الإزميل والكلمة: عاصم الباشا ونحت الذاكرة السورية ضد النسيان
تنهض مسيرة الفنان السوري العالمي عاصم الباشا كقصيدة حزينة مغزولة بالحرية، وصرخة إنسانية دافئة تأبى أن تنطفئ في وجه عواصف الطغيان وعذابات النزوح المرة. هذا النحات الذي يحمل في قلبه غصة المغترب وعنفوان المبدع، صاغ من طين الأرض السورية الحبيبة وجوهاً وملامح تنبض بآلام الفقد وتتشبث بالأمل، محولاً الصخر الصامت إلى مرآة تحاكي مآسي الإنسان وهواجسه الوجودية الأكثر عمقاً. ولد الباشا في بوينس آيرس عام 1948 لأب سوري وأم أرجنتينية، وتفتحت موهبته الفطرية باكراً قبل استقراره في بلدته يبرود بريف دمشق، ليتخصص في النحت النُّصُبي بموسكو والفلسفة بالسوربون في باريس. وتنعكس هذه الخلفية الفلسفية والأكاديمية في أسلوبه النحتي التعبيري الفريد؛ فهو لا يميل إلى الصقل أو تنعيم السطوح، بل يترك ضربات أصابعه وإزميله ناتئة وخشنة على خامات البرونز والصلصال والمعدن، لتتحول منحوتاته وكأنها أجساد نبتت من قلب الصخور والتراب السوري، حاملةً ندوب الفاجعة وآلام الفقد والتهجير. ويتحد هذا الأسلوب النحتي الخشن مباشرة مع رؤيته السياسية وموقفه من العسكر في العالم العربي وتدخلهم الذي شوه مدنية الحياة وأفرغ الفن من قيمته الإنسانية، حيث يرى بعين الفنان النقدية أن “العسكر مصيبة غالبية الأنظمة العربية ومبيضة الطغاة، والكارثة لن تتوقف ما لم نضع حداً لتدخلهم بالشأن العام”. هذا الوعي الصارم بخراب العسكرة هو الذي قاده في الثمانينيات -قبل خروجه الطوعي القسري إلى النفي الذاتي في غرناطة- إلى التنبؤ بالمآل السوري المرير وبالمقابر والبيوت المهجورة التي ستخلفها آلة الحرب، يوم كتب مستشرفاً ذلك الشقاء: “أرى الشواهد تمشي من حولي”، وهي عبارة تُرجمت بصرياً في مرسمه عبر نحت وجوه مشروخة، وأجساد لاهثة، ومنحوتات ذات ملامح آرامية ورافدية قديمة تبدو كشواهد قبور حية توثق النزوح والنزيف البشري. وتتجلى المأساة الكبرى حين تلتحم عبارته المفجعة: “الوحوش دفنوا حلمي وبعض أعمالي” مع أسلوب حياته الفنية؛ فالفنان الذي أمضى أربعة عقود يطوّع البرونز والصلصال المشوي ليصنع كائنات تتحدى الموت، وجد نفسه مجبراً في ذروة الحرب والقصف على بلدته يبرود عام 2011 على دفن جزء من منحوتاته وثمرة عمره تحت التراب بشكل شخصي متحديا القصف الذي عصف بالبلدة لحمايتها من الميليشيات التي عاثت خراباً بمرسمه ونهبت أجزاء منه. هذا الفعل التراجيدي -دفن المنحوتات- لم يكن مجرد إنقاذ لقطع فنية، بل تحول في أسلوبه الوجودي إلى امتداد لمنحوتاته المدفونة في باطن الأرض ريثما تتطهر السطوح من عسكرة الحياة اليومية ومن التماثيل النُّصُبية المزيفة التي نشرها الاستبداد في الساحات العامة كأدوات ترهيب بصرية لتأبيد السلطة. ومن عمق هذا الرماد والفقد الفني والشخصي الذي تضاعف باستشهاد شقيقه نمير تحت التعذيب، انبعث أسلوبه النُصُبي مجدداً من منفاه الأندلسي ليتحدى محاولات التجهيل وقوى الموت، فتجسد في نصرة قضية شعبه عبر إنجاز تمثاله البرونزي الضخم للفيلسوف “أبي العلاء المعري” الذي يزن طناً ونصف الطن، رداً على قيام تنظيمات متطرفة بقطع رأس تمثال المعري التاريخي بمعرة النعمان عام 2013، حيث نُصب هذا العمل في ساحة بلدة “مونتروي” بباريس في آذار 2023 ليغدو محطة انتظار صامدة وشاهداً يومياً يذكر الضمير العالمي بعدالة قضية شعبه، معلناً بصلابة البرونز وعنفوان الفكر الحر أن الفن السوري الحقيقي لا يقبل الانصياع، بل يصنع من حطام الفاجعة منارات حرة وشواهد تمشي وتتكلم في وجه الطغيان. وتجلى تفصيل منجزه الإبداعي الغزير عبر خاماته النحتية المتنوعة؛ حيث برزت منحوتات الصلصال المشوي (التراكوتا) لتجسيد اختلال الملامح الآدمية والتعبير عن الفزع الإنساني المستلهم من مآسي الشرق، بالتوازي مع أسلوب التأليف واللحام المعدني الذي طوّع من خلاله الحديد الصلب في مجموعات بارزة مثل “أشجار فولاذية” و”النوافذ المكسورة” ليعكس هندسة العنف والدمار، إضافة إلى مجموعاته التشكيلية “مشهد سوري” التي ضمت لوحات مرسومة على الخزف وأعمالاً سريعة أنجزها بدءاً من عام 2012 لرصد النزوح والفقد بضربات ريشة تفيض بالأسى. ولم يكن النتاج الأدبي عند الباشا أقل شحناً بهذه الخشونة والصدق التعبيري، بل كان أداة موازية لشرح أفكاره الفلسفية وتوثيق اغترابه؛ وتفصل ذلك روايته الأولى “وبعض من أيام أُخر..” (1984) الصادرة في دمشق بمعالجاتها النفسية الوجودية، تلتها رواية “غبار اليوم التالي” (2015) وصولاً إلى كتابه “يوميات الشامي الأخير في غرناطة” (2010) الحائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، فضلاً عن مجموعاته القصصية مثل “رسالة في الأسى” و”باكراً، بعد صلاة العشاء”، ليتكامل بذلك نتاجه البصري والكلمي في صياغة ذاكرة وطنية صلبة ترفض الانحناء وتصنع من الشتات منبراً للحرية والكرامة.
يظل عاصم الباشا حارساً للوجدان السوري، وفناناً لم يفرّق يوماً بين طين المنحوتة وحرية الإنسان؛ فحين نَبت شجر الفولاذ ونطقت شواهد القبور الحية في محترفه الأندلسي، كان يعيد صياغة الأثر الذي طُمر في تراب يبرود، لتبقى أعماله بياناً إنسانياً خالداً يثبت أن الطغيان زائل، وأن الفن الصادق هو الشاهد الأخير الذي لا يموت ولا يغيب.
سوريات_souriat
سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/981


