لقد خسرت مزرعتها، وصحتها، والرجل الذي أحبته — كل ذلك في العام نفسه — ثم عادت إلى ديارها لتكتب واحدًا من أعظم كتب القرن العشرين.
كان اسمها كارين بليكسين. وتثبت حياتها أن أجمل الأعمال تولد أحيانًا من رحم أعمق الجروح.
الهروب
كوبنهاغن، 1914.
كارين دينيسين في التاسعة والعشرين من عمرها. ولدت في أحضان الأرستقراطية الدنماركية، لكنها كانت تحلم بحياة مختلفة.
وقعت في حب هانز بليكسين-فينيك، ابن عمها المباشر. وعندما صدّها، اتخذت قرارًا فاجأ الجميع: تزوجت من شقيقه التوأم بدلاً منه.
كان البارون برور فون بليكسين-فينيك مغامرًا، متهورًا، ويستعد لإنشاء مزرعة بنّ في شرق إفريقيا البريطانية.
لم يكن هذا الزواج مبنيًا على الحب.
لقد كان هروبًا.
هروبًا بعيدًا عن توقعات كوبنهاغن. بعيدًا عن الرجل الذي لا يمكنها الحصول عليه. وبعيدًا عن مستقبل بدا مرسومًا ومكتوبًا بالفعل.
ولم تكن تتخيل قط أن هذا الاختيار سيكلفها كل شيء تقريبًا.
المزرعة
كينيا، 1914.
اشترت كارين وبرور آلاف الهكتارات عند سفح تلال نغونغ، بالقرب من نيروبي.
كرّست كارين نفسها بالكامل للمزرعة. تعلّمت اللغة السواحيلية، وأدارت العمال، وأشرفت على الاستغلال الزراعي في الوقت الذي كان يقضي فيه برور أسابيع طويلة بعيدًا عنها، يطارد الصيد والنساء الأخريات.
كانت تهتم بعمق بالأشخاص الذين يعملون إلى جانبها، رغم عيشها في قلب تناقضات النظام الاستعماري.
ثم جاءت الخيانة التي لم تستطع تجاهلها.
فبعد سنوات من الخيانة الزوجية، نقل إليها برور مرض السيلان (مرض الزهري). عادت كارين إلى الدنمارك لتلقي علاجات مؤلمة تركت أثرها على صحتها بقية حياتها.
وعندما عادت إلى إفريقيا، كان زواجهما قد انتهى عمليًا. أصبحت وحيدة، مريضة، وتكافح لإنقاذ مزرعة بنّ متعثرة.
في ذلك الوقت، التقت بـ دنيس فينش هاتون.
الحب
كان دنيس كل ما لم يكنه برور قط.
مُثقفًا، رزينًا، ومستقلاً.
رجلٌ يعشق الشعر، والموسيقى، والطيران، والمساحات اللامتناهية في إفريقيا.
تحدت علاقتهما كل الأعراف والتقاليد؛ فلم يتزوجا قط. كان دنيس يقدس حريته، فيختفي أحيانًا لشهور قبل أن يعود دون سابق إنذار. ورغم أن كارين كانت تطمح إلى ارتباط أكثر عمقًا، إلا أنها أحبته بما يكفي لئلا تطلب منه ما لا يمكنه تقديمه.
كانت أسعد لحظاتهما بسيطة:
- قراءة الشعر معًا.
- الاستماع إلى فولفغانغ أماديوس موزارت.
- والحديث حتى الفجر تحت سماء إفريقيا الممتدة.
وفي غضون ذلك، كانت المزرعة تستمر في الانهيار؛ فالأرض كانت مرتفعة للغاية لإنتاج بنّ مربح، وكل موسم كان يغرق كارين أكثر في الديون.
الانهيار
ثم انهار كل شيء دفعة واحدة.
أفلست المزرعة، وفقدت كارين منزلها، وأرضها، والحياة التي استغرقت سبعة عشر عامًا في بنائها.
وبعد أيام قليلة، في 14 مايو 1931، لقى دنيس حتفه في تحطم طائرته الصغيرة بالقرب من “فوي”. دفنته كارين في تلال نغونغ، مواجهًا السهول التي أحباها معًا.
ثم غادرت إفريقيا إلى الأبد.
الكتاب
عند عودتها إلى الدنمارك، كانت كارين في السادسة والأربعين من عمرها.
كانت مفلسة، مريضة، ومكسورة الفؤاد.
فبدأت تكتب.
على مدار ست سنوات، سكبت إفريقيا على الورق تحت الاسم المستعار إيزاك دينيسين. وفي عام 1937، نشرت كتابها الشهير «خارج إفريقيا» (Out of Africa).
لم يكن الكتاب مجرد مذكرات.
بل كان رسالة حب إلى مكان لن تتمكن من العودة إليه أبداً.
وقد أصبحت الجملة الأولى فيه خالدة لا تُنسى:
“كانت لديّ مزرعة في إفريقيا، عند سفح تلال نغونغ.”
سبع كلمات فقط، لكنها تحمل بين طياتها حياة كاملة من الحب، والذكريات، والفقدان.
الإرث
أصبح كتاب «خارج إفريقيا» من أكثر الكتب مبيعًا على مستوى العالم، ورسخ مكانة كارين بليكسين كواحدة من أعظم كاتبات القرن. ونشرت أعمالاً أخرى نالت استحسان النقاد، وحصلت على ترشيحات متعددة لجائزة نوبل في الأدب، كما ألهم كتابها الفيلم السينمائي الشهير الذي حاز على جوائز عام 1985 وتحمل نفس الاسم.
لكن «خارج إفريقيا» يظل شاهقتها الإبداعية الفريدة.
لم تعد كارين إلى كينيا قط. وقضت ما تبقى من حياتها في الدنمارك، محتفظة بإفريقيا حيةً في ذاكرتها ومن خلال كلماتها.
لقد أثبتت أن خسارة كل شيء لا تعني دائمًا نهاية القصة. بل تكون أحيانًا… بداية العمل الذي سيخلد اسمك في الذاكرة إلى الأبد.
#همسات وحروف#مجلة ايليت فوتو ارت.


