حجاب فاطمي : قراءة سيميائية
- امجد سيجري
في الصورة المرفقة لفافة طلسمية تعود للعصر الفاطمي في القرن الحادي عشر ميلادي موجودة في متحف “المتروبوليتان” للفنون محفوظة تحت الرقم (1978.546.3).
هي في الحقيقة ليست مجرد “حجاب” أو تميمة شعبية قديمة بل هي شهادة حية على ذروة تكنولوجيا الطباعة المبكرة و تقدم أسرار فلسفة الحروف التي ازدهرت في العالم الاسلامي عموما و مصر الفاطمية خصوصا .
تأتي أهمية هذه اللفافة من طريقة صنعها فهي لم يتم خطها باليد، بل تمت طباعتها باستخدام قوالب خشبية محفورة وهي تقنية عرفت في العالم الإسلامي بـ “الطرش” بالتالي يثبت هذا الأثر أن المشرق عرف الطباعة ولو بشكل بدائي قبل قرون طويلة من ظهور الطباعة في أوروبا .
لكن للحقيقة الهدف من ابتكار هذه التقنية هو جعل “الحجب ” متاحة كأداة حماية لعامة الناس وليس فقط للنخبة التي تقتني المخطوطات الفاخرة.
تمت قراءة هذه اللفافة بشكل جزئي نتيجة عدة تحديات وهي :
١- تقنية الطباعة البدائية: أدى تكرار التحبير إلى تداخل الحروف وظهور كتل حبرية.
٢- نوع الخط: استخدام الخط المبكر الخالي تماماً من الإعجام (النقاط).
٣- عامل الزمن: التلف المادي الذي أصاب الورق عبر ألف عام.
بالرغم من هذا سأقدم لكن ابرز ما جاء فيها لغويا و رمزيا :
تتكون اللفافة مادياً من قسمين طبعتا بشكل منفصل يتوسط هذا القسم “خاتم سليمان” (النجمة السداسية). ويحيط بها إطار من الخط الكوفي المفرغ يحتوي على: “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.
أما داخل النجمة، فقد رصد الباحثون كلمة تشير غالباً إلى “الملك” أو “السلطان لله”.
يحتوي القسم السفلي على حوالي 33 سطراً يبدأ بـ “بسم الله الرحمن الرحيم”، متبوعاً بفواتح سورة البقرة “ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”، وأجزاء من “آية الكرسي” والمعوذات. كما يمتلئ النص بطلبات الحماية من “العين” والجن، وتكرار أسماء الله الحسنى مثل “الحي القيوم” و”الذي لا يموت” في الحقيقة ازدحام الخطوط كان مقصوداً لخلق حالة من “الهيبة البصرية” التي توحي بالقوة ولضمان عدم عبث “القوى الظلامية” بمحتواها .
اما من الناحية الرمزية السيميائية :
“خاتم سليمان” والذي يعتبر اهم عنصر من عناصر الهندسة المقدسة والذي يعتبر كمركز للكون المادي فالنجمة السداسية (Hexagram) في قلب اللفافة يقرأ في الفلسفات الباطنية كالهمرسية كتمثيل لاتحاد الأضداد فالمثلث المتجه للأعلى يمثل “العالم العلوي” (الروح، النار، السماء )، بينما المثلث المتجه للأسفل يمثل “العالم السفلي” (الجسد، الماء، الأرض). تداخلهما في مركز الطلسم يرمز إلى حالة التوازن الكوني، حيث يتم تسخير القوى السماوية لحماية الجسد الأرضي.
وفي التقاليد الاسلامية يمثل سلطة النبي سليمان على العوالم الخفية فاستدعاء رمز “خاتم سليمان” هو استدعاء رمزي للسلطة المطلقة على العوالم الخفية (الجن والعناصر) وجوده في البداية يمنح اللفافة “شرعية روحية” تجعل الكلمات اللاحقة بمثابة أوامر كونية مستجابة .
اما رمزية الدائرة من خلال النص الكوفي المحيط بالنجمة المكتوب بشكل دائري يمثل “الدرع الإلهي الروحاني “
فالدائرة لا بداية لها ولا نهاية، وهي تمثل كمال الذات الإلهية. وضع “التسبيحات” في دائرة حول الرمز المركزي يعني إحاطة حامل الطلسم بحصن لا يمكن اختراقه من أي جهة.
وهنا نصل لعلم الحروف عبر الكلمات المدونة في الطلسم ففي الفلسفة المشرقية القديمة لا يتم التعامل مع الحروف كرموز للأصوات فقط بل تعتبر كمخازن للطاقة التي يمكن تسخيرها عبر رسمها في اماكن محددة و مدروسة من جهة ثانية كثافة النص المكون من 33 سطرا متراصاً يهدف إلى خلق ما يشبه “الشبكة” أو “المصيدة” ففي التقاليد السيميائية، يُعتقد أن الطاقات السلبية أو “الأرواح الشريره” تضيع وتحبس داخل كثافة الحروف المتداخلة فلا تصل إلى جسد حاملها.
اما كتابة النص بلا نقاط اي “خال من الإعجام ” يفتح باب الاحتمالات سيميائياً فالنص الغير المنقوط هو نص غامض غير مفهوم بالكامل احيانا بالنسبة للناس العاديين بالتالي يمنحه قوة “الغيب”. فالطلسم الذي يقرأ و يفهم تماماً يفقد جزءاً من هيبته، بينما الطلسم المحتجب يظل يعمل كقوة غامضة ومستمرة.
وفي النهاية هذه اللفافة هي تجسيد مادي للكلمة التي تحول “المجرد” (الدعاء والذكر) إلى “ملموس” (ورق وحبر وطباعة)، لتخلق في النهاية درعاً يدمج بين هندسة الكون، وطاقة الحروف، وإيمان الفرد في وثيقة واحدة تختصر محاولة إنسانية في محاولة السيطرة على الغيب وتحويل الكلمات إلى دروع غير مرئية.#امجد سيجري#مجلة ايليت فوتو ارت..


