قصص من اليوميات العادية

خطابات على موجات الاثير سناء الزناكياستيقظ أدهم قبل لحظات؛ متمدّد على سريره، يفرك عينيه، يحدّق يمينًا وشمالًا، ثم يفرك عينيه من جديد. يحدّق في السقف لبرهة ويفكّر فيما إذا كان عليه أن ينهض. ليست أشياء كثيرة تلك التي يجب أن يفعلها، سينظّف نفسه مما خلّفته الكوابيس على جسده، يغيّر ملابسه، يأكل شيئًا ثم يخرج إلى العالم.لم ترقه الفكرة، أو لعلها أخافته، تنهّد بصوت عالٍ ثم حوّل بصره إلى النافذة. عالية لا يستطيع من خلالها أن ينظر إلى الخارج، ولكنه أحبّ تمثّل المشهد الذي سيراه، هو شيء ثابت أزلي لا يتغيّر: طريق طويلة، جرداء، فارغة، بضع شجيرات على الجانبين، بالكاد تلقي بظلالها على الرصيف. وبعض المارّة المألوفين الذين غالبًا ما تدركهم العين في مثل هذا الوقت من الصباح. أيّ مكان سخيف هو هذا الذي يعيش فيه؟! يسأل نفسه منزعجًا. أحيانًا يودّ لو يقتل نفسه، لا ليموت، ولكن ليكون وردة. تروقه هذه الفكرة، تروقه وتستثيره كثيرًا، ولكنه سرعان ما يتخلّى عنها ككل شيء آخر. وبدل أن يمضي إلى حبل أو يمدّ يده لعلبة الدواء بجانبه، يستمرّ بالتحديق في السقف. ليس الموت هو ما يفزعه، ولكن هي قصة؛ قصة تطلّ عليه من طفولته البعيدة، لا يتذكّر معالمها بشكل واضح، ولكن يتذكّر بأن الورود فيها كانت تتحدّث، وتتمنّى لو كانت أجمل وأطول.لو نهض الآن لصار شخصًا آخر، ولعنى له التفكير في أمور أخرى، ولكنه لم يفعل. خطر على باله صاحب متجر البقالة الذي يمرّ عليه أثناء ذهابه إلى العمل، تساءل عمّا يفعله الآن، عمّا إذا كان قد فتح متجره أو أنه قد اضطرّ إلى عدم فعل ذلك هذا الصباح. هو لا يعرفه، لم يسبق أن تحدّث إليه ولا أن اشترى منه شيئًا. يعرفه عن طريق نظرة خاطفة يقوم بها أحيانًا نحوه، لم يسبق لها أن استقرّت على ملامحه، ولا تأمّلت فيه شيئًا. يحدث له هذا بين الفينة والأخرى؛ يحدث أن يفكّر بأشخاص لا يعرفهم ثم يتساءل عمّا يفعلونه، عمّا إذا كانوا سعداء، وعمّا إذا كانت قلوبهم بخير.تغلّب على كسله أخيرًا، ونهض ليعدّ فطوره. ثم اتّجه بعدها، عاري الصدر، حافي القدمين، نحو مكتبه في زاوية الغرفة. أخذ حاسوبه، وفتح بريد الرسائل. يعمل أدهم منذ مدّة في الإذاعة، وقد بدأ مشروعًا جديدًا هو وفريقه، كان هو نفسه من أدلى بفكرته. وقد تقرّر بموجبه أن يخصّصوا ربع ساعة يوميًا لبثّ رسائل يتلقّونها من المستمعين، والتي يرغبون بإيصالها لأشخاص لا يستطيعون التواصل معهم لسبب أو لدونه. توقّع أن تنكبّ عليه الرسائل من كل حدب وصوب، لكن ليس ذلك ما حصل، إذ بالكاد تصله رسالة واحدة كل يوم. ربما الناس ليس لديهم الكثير من الأشياء ليقولوها، أو أنهم يخجلون من مشاعرهم، أو أنهم لا يفهمونها. على كل حال، لم يستطع لومهم، هو أيضًا لطالما كان صامتًا، ولم يقل الكثير من الأشياء للكثير من الأشخاص، الشيء الذي شعر حياله معظم الوقت بالندم. أما اليوم، على سبيل الحظّ، فقد تلقّى رسالتين. فتح إحداهما على استعجال، وقد أصابه الفضول ليعرف فحواها:”عزيزي،شعرت حيالك بحنين جارف هذا الصباح، وطيلة الأيام الماضية، إذ يتعبني أن تكون بعيدًا هكذا، وألّا أستطيع معرفة شيء عنك. أتساءل: كيف حالك؟ ماذا تفعل هذه الليالي الجرداء الطويلة بك؟ وهل تفكّر فيّ كما أفكّر فيك؟أعتقد أن هذه الأيام سوف تمضي، لكن أرجو أن تمضي كما يجب، كما يمرّ اليوم العادي، بدون أن تكون سريعة جدًا ولا بطيئة جدًا، أي كما لو لم يكن هناك شخص في الأفق ننتظر عودته.أرجو أن تكبر هذه الأيام فينا، لنصير أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على الصبر والحب. وأرجو أخيرًا أن يكون في العمر متّسع من الوقت، لأراك مجددًا، ولتجتمع هذه الأرواح البعيدة معًا، قبل أن تتيه عن بعضها مرة أخرى، وإلى الأبد.كن بخير،مع حبي”.أغلق حاسوبه لبرهة، وتأمّل فيما قد قرأه. هل سيتسنّى للمخاطَب حقًا أن يسمع الرسالة؟ فكّر قليلًا: لا شيء يوحي بجنس الكاتب، ولكن لا بدّ أن امرأة هي من كتبت هذا الخطاب، سيطلب إذًا من نور أن تلقيه وليس إلى عيسى. وهكذا أرسلها إلى نور. ثم فتح الرسالة الثانية:”حبيبتي،لقد كنت أقرأ بعض القصائد البديعة هذا المساء، وخطرت لي كل الأشياء الجميلة التي كتبتها من أجلك. أعتقد أن أفضل ما كتبت في حياتي، هو ما كتبته لك.كنت أفكّر: علاقتي بك استثنائية جدًا، إنك بالكاد تعرفين كل ما مررت به في هذه السنوات الأخيرة، كما لا أعلم أنا شيئًا عمّا مررتِ به. ولكن العاطفة التي أحملها لك، لطالما كانت أكثر مما احتمله قلبي. وهي لم تخف ولم تتأثّر بأي من هذه المسافات بيننا، ولا حتى بالخلافات الشديدة التي حصلت سابقًا. وحين يتعلّق الأمر بك، أشعر أنني لست مضطرًا لقول أي شيء.نحن نعرف جيدًا، بأننا تغيّرنا كثيرًا في هذه السنوات القليلة. ليس من الصعب ملاحظة هذا، ولكن لطالما كان هذا خارج نطاق اهتماماتنا، إذ نحن لا نسأل عن شيء، ونستمرّ في الحفاظ على هذا الرابط بيننا من خلال هذا الصمت. ومع أنني كنت أمقت الصمت منذ صغري، إلا أنني أجده غير مؤذٍ حين يصل الموضوع إليك. إنك كالقصيدة بالنسبة إليّ، وتمامًا كما يجب أن تكون القصيدة؛ أنتِ لستِ مرتبطة عندي بزمان ومكان معيّنين، إنك حاضرة وحسب، بشكل لا يمكنني تجاهله. أشعر بك، أعشقك، ولا أحتاج منك إلا أن توجدي حتى يزهر قلبي.يا فتاتي العزيزة، يا زهرة أيلول/ سبتمبر التي لا يطاولها الخريف. في هذا الصباح الربيعي الجميل، أُهدي إليك أغنية لفيروز “كتبت إليك من عتبي” أنصتي إليها، وأحبّيها تحبّيني. واعلمي أن كل قصيدة حب، هي مكتوبة إليك، إذ لولا عيناك لما كانت القصائد”.هذه الرسالة هي الأخرى لا تشير إلى اسم المرسِل، ولا إلى المرسَل إليه. لعلها لم تُكتب لتصل إلى الشخص المعني حقًا، ولكن كُتبت لتزيل حملًا عن صدر كاتبها فحسب. رسالة للجميع وليست لأحد. أرسلها لعيسى طالما بدا من الواضح أن كاتبها رجل، ثم طلب منه أن يبثّ الأغنية المذكورة في الرسالة، بعد انتهائه من إلقائها. فكّر قليلًا: لكل رسالة خصوصيتها، ولكل رسالة مشاعرها، ولكنها مع ذلك تكتسي الشاعرية والقسوة والغموض ذاته، إذ كتابة رسالة، تعني دائمًا وجود مسافة بين الطرفين، أكانت هذه المسافة مادية أم معنوية. لطالما كان أدهم مفتونًا بالخطابات، وهذا ما دفعه إلى اقتراح هذا المشروع الصغير على الإذاعة، في المقام الأول. لقد كان يقرأ ما كتبه أناس لا يمتّون له بصلة، عن أناس لا يمتّون له بصلة أيضًا. وكان يوحي له ذلك أحيانًا، برغبة شديدة في البكاء أو الضحك أو الحزن الشديد… وكان يتساءل: هل سأستطيع يومًا ما، أنا أيضًا، أن أكتب شيئًا قويًا، بحيث يوحي لشخص آخر لا يعرفني، بالضحك أو البكاء أو الحزن الشديد. # ضفة صالثة# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم