قصر عبد القادر الجزائري بربوة دمشق يذكر،بسيرة الامير البطل ،

قصر الأمير عبد القادر الجزائري

في الربوة على الضفة المقابلة لنهر بردى في منطقة الربوة غرب دمشق، يقف قصر الأمير عبد القادر الجزائري شاهداً على مرحلة تاريخية تداخلت فيها سيرة رجلٍ مقاوم مع ذاكرة مدينةٍ عريقة. فالمبنى الذي يلفت انتباه العابرين بين بساتين الربوة ليس مجرد قصر قديم، بل معلم يرتبط باسم أحد أبرز الشخصيات في تاريخ المغرب العربي والمشرق معاً.شيّد الأمير القصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد أن اضطر إلى مغادرة الجزائر إثر مقاومته الطويلة للاستعمار الفرنسي. وقد استقر في دمشق منذ عام 1856، واتخذها موطناً جديداً له ولأسرته. ويُروى أن الطبيعة الجبلية لمنطقة الربوة وما يحيط بها من مياه بردى وبساتينها ذكّرته ببلاده الجزائر، فاختار هذا الموقع ليبني فيه مصيفه الخاص.جاء البناء بطراز معماري يميل إلى التأثيرات الأوروبية، مع حضور واضح للروح الدمشقية التقليدية. ويتألف القصر من طابقين تبلغ مساحة كل منهما نحو أربعمئة متر مربع، إضافة إلى السطح المعروف في العمارة الدمشقية باسم «الطيّارة». وكان القصر في الأصل ضمن مساحة واسعة من البساتين الواقعة بين نهري بردى ويزيد، ما منحه إطلالة طبيعية مميزة وجعل منه مكاناً ملائماً للقاءات الاجتماعية والثقافية.وقد شهدت أروقة القصر في زمن الأمير نشاطاً ثقافياً واجتماعياً لافتاً، إذ استقبل شخصيات بارزة من علماء وأدباء ووجهاء، كما أقيمت فيه أمسيات أدبية كان من أشهرها الأمسية التي ألقى خلالها أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته الدمشقية الشهيرة التي استهلها بقوله: «سلامٌ من صبا بردى أرقُّ…».غير أن القيمة التاريخية للقصر لا تتوقف عند دوره الاجتماعي والثقافي، بل ترتبط قبل ذلك بموقف إنساني بارز ارتبط باسم الأمير نفسه. ففي عام 1860 شهدت دمشق أحداثاً طائفية دامية عُرفت في التاريخ باسم طوشة الشام 1860. عندها اتخذ الأمير عبد القادر موقفاً حاسماً، ففتح أبواب داره وقصره لحماية آلاف المسيحيين، وأرسل رجاله لجمعهم وتأمينهم داخل بيوته وأحيائه، في خطوة إنسانية جريئة أسهمت في إنقاذ عدد كبير منهم من القتل. وقد لقي هذا الموقف تقديراً واسعاً في العالم آنذاك، حتى أن عدداً من الدول الأوروبية كرّمته تقديراً لدوره في حماية المدنيين.ظل الأمير مقيماً في دمشق نحو سبعة وعشرين عاماً، وكان خلال هذه الفترة جزءاً من الحياة العلمية والفكرية في المدينة؛ فقد درّس في الجامع الأموي، وارتبط بعلاقات وثيقة مع علماء الشام ووجهائها. وفي هذا القصر تحديداً أمضى سنواته الأخيرة حتى توفي عام 1883. وقد دُفن في دمشق قرب ضريح محيي الدين بن عربي، قبل أن تُنقل رفاته إلى الجزائر بعد استقلالها في ستينيات القرن العشرين.بعد وفاة الأمير بقي القصر مسكوناً من قبل أبنائه وأحفاده، ومن بينهم الأمير سعيد الجزائري الذي تولّى رئاسة مجلس الوزراء في عهد فيصل الأول خلال فترة المملكة العربية السورية. واستمر وجود العائلة فيه حتى منتصف القرن العشرين، قبل أن تتغير وظيفته مع مرور الزمن.وفي مطلع الألفية الجديدة خضع القصر لأعمال ترميم شاملة بين عامي 2004 و2005 ضمن مشروع للحفاظ على التراث المعماري، مع الحفاظ على عناصره الأصلية، بما في ذلك الدرج الداخلي المكسو بالرخام والمدخلان الرئيسيان من الجهتين الشرقية والغربية. وقد تحوّل المبنى لاحقاً إلى مقر لهيئة التخطيط الإقليمي، فيما خُصصت إحدى غرفه كمتحف صغير يوثّق سيرة الأمير ومقتنياته.وهكذا يبقى قصر الربوة أكثر من مجرد بناء تاريخي؛ إنه شاهدٌ على سيرة قائدٍ قاوم الاستعمار في الجزائر، وترك في دمشق أثراً إنسانياً عميقاً، حين جعل من قصره ملاذاً للضعفاء في لحظة عصيبة من تاريخ المدينة. ومن بين جدرانه ما تزال حكاية ذلك الموقف الإنساني تتردد بوصفها واحدة من الصفحات المضيئة في تاريخ التعايش في دمشق………………………… المصادر : • محمد كرد علي، خطط الشام – يتضمن إشارات إلى إقامة الأمير عبد القادر في دمشق.• أرشيف المديرية العامة للآثار والمتاحف • ملفات توثيق المباني التاريخية في دمشق.• موقع موسوعة المعرفة – مادة قصر الأمير عبد القادر في الربوة #سوريات_Souriat# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم