قصر جوليا دومنا.. حين تحكي حجارة حمص سيرةإمبراطورة

يختزن قصر جوليا دومنا في حمص القديمة حكاية تتجاوز جمال الحجر وتفاصيل العمارة، ليجمع بين ذاكرة البيت الحمصي وسيرة إمبراطورة حملت اسم المدينة إلى قلب الإمبراطورية الرومانية.ويقع القصر في حي بستان الديوان بالقرب من كنيسة أم الزنار الأثرية، ويقدّم نموذجاً مميزاً للبيت الحمصي التاريخي، إذ يتسع لأكثر من 600 شخص، وتتنوع في أرجائه العناصر المعمارية التي تجمع بين الوظيفة والجمال.ويتميز القصر بالعمارة الأبلقية القائمة على التناوب بين الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض، فيما تزينه القناطر والأبواب وفتحات النوافذ المزخرفة بالحجر الملون، إلى جانب الحفر الخشبي الفني والسيباط والقاعات المشيدة بأسلوب العقود المقوسة.وفي قلب القصر تمتد «أرض الديار»، وهي فسحة سماوية واسعة تتوسطها بحرة، وتحيط بها القاعات والمجالس ذات الأعمدة الرخامية والنوافذ المزينة بالزجاج الملون، لتجسّد نموذجاً واضحاً لتخطيط البيوت الحمصية التقليدية، حيث كان الفناء الداخلي مركزاً للحياة الاجتماعية والعائلية.ولا تتوقف أهمية القصر عند قيمته المعمارية، إذ تقع أقدم بقعة فيه تحت الأرض، وتضم جدراناً ونقوشاً أثرية يُعتقد أنها تعود إلى العهدين الروماني والبيزنطي، وترتبط بالطبقات الأثرية المنتشرة في المنطقة المحيطة بكنيسة أم الزنار، ما يضفي على المكان قيمة تاريخية وأثرية إضافية.من حمص إلى قلب الإمبراطوريةيحمل القصر اسم جوليا دومنا، الإمبراطورة الرومانية ذات الجذور الحمصية، التي ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية.ويُرجّح أن تكون جوليا دومنا قد ولدت في حمص بين عامي 166 و170 للميلاد، لعائلة من أعيان المدينة، وكان والدها جوليوس باسيان الكاهن الأعظم لعبادة الإله إل جبل.وفي عام 187م تزوجت من القائد سبتيميوس سيفيروس، الذي أصبح لاحقاً إمبراطوراً رومانياً، وأنجبت منه ابنيها كركلا وغيتا. ومع وصول زوجها إلى السلطة عام 193م، نالت لقب «أوغستا»، وازداد حضورها في الحياة السياسية للإمبراطورية، كما رافقته خلال حملاته في الشرق وحملت لقب «أم المعسكر».ومع مرور السنوات، اتسع دورها في إدارة شؤون الحكم، لتصبح من أبرز النساء حضوراً في الحياة السياسية الرومانية خلال تلك المرحلة. إلا أن السنوات الأخيرة من حياتها ارتبطت بالصراع بين ابنيها كركلا وغيتا، وانتهت حياتها في أنطاكية عام 217م.وهكذا، لا يبدو قصر جوليا دومنا مجرد بناء تاريخي في أحياء حمص القديمة، بل مساحة تتقاطع فيها ذاكرة المكان مع تاريخ الإمبراطورية؛ فحجارته السوداء والبيضاء تحفظ ملامح البيت الحمصي، فيما يستعيد اسمه سيرة امرأة خرجت من حمص لتصل إلى قلب العالم الروماني.

أخر المقالات

منكم وإليكم