قصة قصيرة للقاصة زهرة أحمد بولحية بعنوان في غفلة صمت

في غفلة صمت…القاصة زهرة أحمد بولحية زهرة احمد بولحية في لحظة صمت دفينة، حين كان كل شيء ساكناً حدّ الغرابة، أطلّ برأسه الأصلع من النافذة الخلفية لغرفة الضيوف. رأسٌ غريب… متسلل، يختبئ أكثر مما يظهر. لمحتُه بطرف بصري، بينما كنت مستغرقة في قراءة رواية “الجريمة والعقاب”، في تلك الصفحات التي يسير فيها راسكولنيكوف بين الحيرة والخوف، يحمل في جيبه ما سلبه من حياة، ومن جسدٍ لم يعد إلا ذكرى في غرفة خانقة.كنت وحدي في البيت… لأن أهلي غادروا لحضور واجب عائلي، وأنا تخلفتُ، بدعوى التعب. لكن الحقيقة أنني كنت أبحث عن عزلة، عن مساحة تبتعد بي عن ضجيج الواقع، وتنقلني إلى عالم الرواية، إلى تلك المدن المتجمدة التي لا تتكلم، لكنها تئن تحت وطأة الذنب والخطيئة.ظننت أن الرأس الذي أطّل من النافذة، مجرد فضول عابر من أحد الجيران، أو طفل تائه يبحث عن مغامرة صغيرة. لم أولِ الأمر اهتماماً كبيراً. عدت للقراءة، أحاول أن أفكّ شفرة ذاك الرجل الذي قتل، لا لأنه مجرم، بل لأنه أراد أن يثبت شيئًا ما… فكرةً، ربما… أو انتقامًا مؤجلاً من مجتمع لا يرحم.ثم… دون إنذار، انتصب الرجل أمامي، و كأنه خرج من بين سطور الرواية، بكامل قامته الفارعة، بلون بشرته المحترقة بالشمس، بثيابه الباهتة، ونظراته التي لا تشبه نظرات الغرباء. لم أصرخ. لم أتحرك. فقط حدّقت فيه كما نحدّق في حلمٍ غامض لوهلة قبل أن نستيقظ.قال فجأة، بصوت أجوف قادم من بئر قديم:”ألا تذكرينني؟”ارتجفت الكلمات في صدري. نظرت إليه بتوجس، حاولت أن أنبش الذاكرة، أن أبحث في الوجوه التي عبرت حياتي، في الصور التي التقطتُها قديماً، في الأصوات التي عبرت الممرات، لكنني فشلت. كان وجهه غريباً تماماً.سألته إن كان بحاجة لشيءما، مال، طعام، أية مساعدة… بدا عليه التردد، ثم قال، بصوت هامس، كأنه يختبر وقع كلماته:”لا… لا أريد شيئًا… جئت فقط لأستعيد شيئًا ضاع مني… منذ زمن بعيد… بفعل تهورٍ، أو ربما خطيئة… شيء لا يخصني وحدي، بل يخصك أنتِ أيضاً.”انكمشتُ في مكاني، وداخلي يشتعل بأسئلة لا جواب لها. سألته عمّا يقصد. فابتسم، تلك الابتسامة التي تشبه الطعنات: باردة، صامتة، مثقلة بما لا يُقال.”في دولابك، هناك دمية حمراء… بداخلها مفتاح صغير… أليس كذلك؟”انحبس صوتي في حلقي. نعم… نعم، هناك دمية قديمة، أهديت لي في طفولتي، لا أعرف من أين جاءت، لم أفكر في سرّها أبداً… لكن، كيف يعرف هو؟تقدّمت خطوة إلى الوراء، وأنا أقول بتردد:”بلى… لكن من أنت؟ وكيف تعرف هذه الدمية؟”لم يجبني. اكتفى بالنظر إليّ، وكأن عينيه تريدان أن تقول كل ما يعجز لسانه عن نطقه. عيونٌ غريبة، يغمرها حزن لا يُقاس، وندم متجذر في القاع. شعرت أنني أغرق في تلك النظرات، كأنني أُسحب نحو عالم آخر، تتلاشى فيه الجدران والكتب والصمت، وتبدأ متاهة من صور متقطعة… ذكرى عتيقة… بيت طيني قديم… صبيّ يلعب بدراجة مكسورة… وامرأة تضحك، بصوتٍ يشبه صوت أمي، لكنّه ليس لها…أردت أن أصرخ: “ما الذي يحدث؟!”لكنني لم أفعل.سألته، هذه المرة بلهجة أقرب للرجاء:”من أنت؟ قل لي فقط من أنت…”فأدار وجهه عني، وهمس وكأنه يحادث نفسه:”كان من المفترض أن أعود قبل فوات الأوان… لكنّ البحر أغرق كل الرسائل…”ثم، في لحظة، كأنه تبخر…غفوتُ أو أغمي عليّ، لا أعلم.حين فتحت عيني، لم يكن هناك أحد… لا شيء سوى خيال ظلٍّ باهتٍ، على الجدار المقابل، كأنه بقايا رجل، أو بقايا حكاية لم تكتمل.ذهبت إلى الدولاب، أخرجت الدمية الحمراء، تلك التي لم أفكر فيها منذ سنين، فتحتها… وجدت المفتاح، صغيرًا، باردًا، لم يُلمس منذ قرن.لكنني وجدت شيئًا آخر… قصاصة ورق، كانت مطوية بإحكام. فتحتها وقرأت:”إلى طفلتي… سامحيني…”هل كان ذلك كله حُلماً؟هل تسلّل الماضي إلى غرفتي، ليطالبني بذاكرة نسيتها؟أم أنني… كنتُ دائمًا أعيش في شقٍ بين الحقيقة والوهم، بين كتابٍ يُروى، وواقع يُنفّذ وصاياه…؟في تلك الغفلة من الصمت… دخل شيءٌ ما إلى حياتي، ولم يخرج،شيء يشبه الحقيقة، لكنه لا يعترف بها.ربما… يشبهني… # كتاب القصة القصيرة# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم