صمتُ الكلمات وصخبُ الوجود: قراءةٌ في السمات الأسلوبية لمسرحِ صمويل بيكيت مقال من إعداد: كادر صفحة مسرح العبثفي منتصف القرن العشرين، وتحديداً حين اعتلى “استراجون” و”فلاديمير” خشبة المسرح لانتظار شخص لن يأتي أبداً، لم يكن صمويل بيكيت يكتب مجرد مسرحية، بل كان يعلن ثورة صامتة ضد كل ما تعارف عليه المسرح الكلاسيكي. لقد حطم بيكيت “هيكل” الدراما، ليترك المتفرج وجهاً لوجه أمام حقيقة الوجود العارية.- اقتصاد اللغة: الكلمة كأداة للشك عند بيكيت، اللغة ليست وسيلة للتواصل، بل هي محاولة فاشلة لملء الفراغ. تميز أسلوبه بما يسمى “جماليات الحذف”؛ فهو لا يبحث عن الكلمة الأجمل، بل عن الكلمة الأكثر ضرورة. ● الحوار المبتور: عبارات قصيرة، وتكرار يوحي بالآلية والرتابة. ● الصمت (The Pause): الصمت عند بيكيت ليس فراغاً، بل هو “شخصية” قائمة بذاتها. إن توجيهات المسرح لديه تمتلئ بكلمة (صمت)، وهي اللحظات التي يدرك فيها الأبطال عبثية ما يقولون.- الإطار المعرفي الأول: العبثية (Absurdism)يرتبط أسلوب بيكيت اللغوي بفكرة “العبث”، وهي حالة الصدام بين بحث الإنسان عن المعنى وصمت الكون المطبق. اللغة عند بيكيت تفقد وظيفتها المنطقية لأن “المعنى” نفسه مفقود، فتتحول الكلمات إلى مجرد ضجيج لقتل الوقت.● الشخصيات: كائنات خارج الزمان والمكانلا يحتاج بيكيت إلى سير ذاتية لشخصياته. هم غالباً “متشردون” أو كائنات مبتورة تعيش في فضاءات مجردة. ● التجريد من الهوية: الشخصيات لا تملك ماضياً ولا مستقبلاً، بل تعيش في “آن” مستمر ومؤلم. ● العجز الفيزيائي: نجد شخصيات حبيسة صناديق قمامة (نهاية اللعبة)، أو مدفونة في الرمل (أيام سعيدة). هذا الأسلوب يختزل الوجود البشري في الحركة الدنيا.- الإطار المعرفي الثاني: الوجودية (Existentialism)يطبق بيكيت المبدأ الوجودي “الوجود يسبق الماهية”. فشخصياته تُقذف إلى الخشبة (الوجود) دون هدف مسبق، وعليها أن تخلق ماهيتها من خلال أفعال بسيطة أو حتى من خلال “الانتظار”، وهو تجسيد للقلق الوجودي الذي تحدث عنه سارتر وكيركجورد.- الزمن الدائري وسينوغرافيا الفراغفي المسرح التقليدي، هناك بداية، عقدة، وحل. أما عند بيكيت، فالزمن دائري لا نهائي. وتعتبر خشبة مسرح بيكيت تجسيداً للفلسفة العدمية من خلال: ● الاختزال البصري: شجرة واحدة عارية في “في انتظار غودو” تكفي لتلخيص خريف الإنسانية. ● العود الأبدي: المسرحية تنتهي كما بدأت تقريباً، الفعل لا يتطور، والانتظار يظل سيد الموقف.- الإطار المعرفي الثالث: العدمية (Nihilism)تظهر العدمية في أسلوب بيكيت من خلال نفي “الغاية”. لا يوجد “خلاص” في نهاية المسرحية. الفراغ على خشبة المسرح هو المعادل البصري لفكرة أن الوجود لا يحمل قيمة جوهرية، وأن المحاولات البشرية لبناء أنظمة أخلاقية أو منطقية هي محاولات هشة.- لماذا لا يزال بيكيت حاضراً؟إن أهمية أسلوب بيكيت تكمن في قدرته على تحويل “العدم” إلى مادة فنية. هو لم يكتب عن اليأس، بل كتب عن المقاومة في قلب اليأس. أسلوبه الذي يمزج بين الكوميديا الارتجالية والتراجيديا الفلسفية يضعنا أمام مرآة صادقة: نحن كائنات تبحث عن معنى في عالم صامت.إن مسرح بيكيت هو مسرح “الجوهر”، حيث تسقط الأقنعة والخطابات الرنانة، ليبقى الإنسان وحيداً مع صوته، يحاول أن يقول شيئاً قبل أن يسدل الستار الأخير.——#كادر صفحة مسرح العبث.# مجلة ايليت فوتو ارت.


