جنوب أفريقيا.
يقف رجلٌ داخل قاعة المحكمة. أمامه قاضٍ يملك السلطة المطلقة لإصدار حكم بإعدامه.
لكنه لم يتوسل.
قبل بضعة أسابيع، تحدث من قفص الاتهام لقرابة ثلاث ساعات. بكل هدوء وثبات، أنهى حديثه وهو ينظر بعيني القاضي مباشرة:
«لقد حاربتُ سيادة بيضاء، وحاربتُ سيادة سوداء. إنني أعتنق أمل المجتمع الحر الديمقراطي الذي يعيش فيه جميع الأشخاص معًا في وئام وتكافؤ فرص. إنه أمل أتمنى أن أعيش من أجله وأنسام به… ولكن إذا دعت الحاجة، فهو أمل أنا مستعد للموت من أجله.»
خيّم الصمت على القاعة.
كان اسمه نيلسون مانديلا.
في ذلك الوقت، كانت جنوب أفريقيا تعيش تحت وطأة نظام “الأبارتهايد” (الفصل العنصري) الغاشم، الذي حرم الغالبية ذات البشرة السمراء من حقوقهم السياسية الأساسية وفرض تمييزًا عرقياً مؤسسيًا.
دافَع مانديلا، بصفته محاميًا وناشطًا مناهضًا للفصل العنصري، عن المقاومة السلمية في البداية. ولكن بعد مجزرة شاربفيل ضد المظاهرين عام 1960، شارك في تأسيس استراتيجية تستهدف تعطيل البنية التحتية للدولة.
حُووِكِم برفقة رفاقه، وكانت التهم الموجهة إليهم قد تؤدي بهم إلى حبل الإعدام.
كان العالم يترقب صدور حكم الإعدام بحقهم…
لكن في 12 يونيو 1964، صدر الحكم:
ليس الإعدام.
بل السجن مدى الحياة.
كان مانديلا حينها يبلغ من العمر 45 عامًا.
ولم يسترد حريته إلا بعد أن بلغ 71 عامًا.
أُرسِل إلى سجن روبن آيلاند، قبالة سواحل كيب تاون، وحصل على الرقم 466/64.
زنزانة ضيقة، وفراش ملقى على أرضية باردة، وسنوات من العمل الشاق في مقلع للحجر الجيري تحت أشعة الشمس الحارقة. رسالة واحدة وزيارة واحدة فقط كل ستة أشهر!
وعندما توفيت والده، ثم لَحق بها ابنه الأكبر، رفضت السلطات حتى منحَه الحق في حضور جنازتيهما.
سبعة وعشرون عامًا.
سبعة وعشرون عامًا والعالم يواصل مسيره إلى الأمام، بينما يظل رجلٌ خلف الأسوار لأنه دافع عن المساواة.
رحل قادة وجاء آخرون، وتغيرت أجيال، واشتعل رأسه شيبًا…
لكن مانديلا رفض الخضوع.
رفض كل عروض الإفراج المشروط التي كانت تتطلب منه التخلي عن مبادئه وقضاياه.
وفجأة… وخلافًا لكل التوقعات:
في 11 فبراير 1990، أُضيئت أنوار الحرية وفتحت أَبواب السجن.
خرج نيلسون مانديلا حرًا طليقًا، رافعًا قبضة يده، بعد 27 عامًا من الاعتقال.
كان قد بلغ الـ71 من عمره.
لكن الجزء الأكثر إبهارًا في قصته كان على وشك أن يبدأ…
كان بإمكانه أن يخرج من السجن ممتلئًا بروح الانتقام والحقد،
لكنه اختار طريقًا آخر:
طريق العفو والمصالحة.
تفاوض مع أولئك الذين سجنوه، وشارك في التأسيس لإنهاء نظام الفصل العنصري بشكل سلمي.
وفي عام 1994، وخلال أول انتخابات وطنية ديمقراطية شملت جميع المواطنين البالغين بغض النظر عن لون بشرتهم، أصبح السجين القديم رئيسًا لجنوب أفريقيا.
وقام بأمر لم يكن لأحد أن يتخيله:
دعَا أحد حراسه البيض السابقين لحضور حفل تنصيبه، وبل وقابل أشخاصًا ساهموا في المطالبة بإعدامه!
ثم دعم “لجنة الحقيقة والمصالحة”، لكي تتمكن أمة مجروحة من مواجهة الماضي دون أن تغرق في دوامة الانتقام.
كان لدى مانديلا كل الأسباب ليختار الانتقام،
لكنه اختار المصالحة.
وهنا تكمن أعظم انتصاراته:
لم ينجُ فقط من 27 عامًا في السجن، بل رفض أن يدع السجن يحبس قلبه.
قد يُحرَم المرء من حريته لعقود… لكن لا يمكن لأحد أن يجرّده من مبادئه.
#مجلة ايليت فوتو ارت


