في بعض الحالات الفيلم يسبق الحكاية بحدث ،هكذا يرى المخرج المغربي فوزي بنسعيدي في جلسة حوارية بالجونة.

💥 فوزي بنسعيدي : الفيلم يبدأ أحياناً قبل الحكاية«الموسيقى الداخلية» بوصلة المخرج وسط مغامرة الصورة

الجونة، مصر ـ «سينماتوغراف»في مهرجان الجونة السينمائي، لم يتعامل المخرج المغربي فوزي بنسعيدي مع سؤال بناء العالم السينمائي بوصفه مسألة تقنية تبدأ بالسيناريو وتنتهي بالتصوير. في جلسته الحوارية «كيف تبني عالماً سينمائياً؟»، قدّم تصوراً أكثر حميمية للعمل الإبداعي: فيلم قد يبدأ من صورة أو رغبة، ثم يبحث عن شكله وهو يتكوّن. وبين حلم إنجاز فيلم روائي طويل من دون سيناريو، والرهان على اللقطة الطويلة، والعودة إلى التمثيل، ظلّ خيط واحد يجمع حديثه، كيف يحافظ المخرج على روح الفيلم فيما يترك له مجالاً كي يكتشف نفسه؟.** حين لا تكون الحكاية نقطة البدايةبالنسبة إلى بنسعيدي، لا يشترط أن يبدأ الفيلم بحكاية مكتملة أو نص جاهز. قد تكون البداية مشهداً يتصوره، أو إحساساً يريد اختباره، أو رغبة في اكتشاف ما تستطيع الصورة أن تقوله. فالحكاية، في هذا التصور، ليست غائبة، لكنها ليست العنصر الوحيد الذي يمنح الفيلم معناه، إذ تستطيع الصورة والحركة والإيقاع أن تفتح مسارات تعبير لا توفرها الحبكة وحدها.ويتصل بذلك اهتمامه بإنجاز أفلام قصيرة من دون سيناريو مكتوب. فقد تحدث عن حرصه، في بعض التجارب، على إبقاء هذه المساحة مفتوحة، بما يسمح للعمل أن يتشكل عبر النقاش والتجربة، لا أن يظل أسير خطة محسومة سلفاً. أما طموحه الأبعد، فهو إنجاز فيلم روائي طويل بالطريقة نفسها. لم يجد بعد منتجاً يشاركه هذه المغامرة، لكنه عبّر عن ثقته بأن الفيلم الذي سينجح في إنجازه من دون سيناريو سيكون أفضل أفلامه.** اللقطة الطويلة: مخاطرة يصنعها الفريقتتجلى هذه الروح الاستكشافية أيضاً في اعتماد بنسعيدي على اللقطات الطويلة المتصلة، أو «البلان سيكونس»، التي قد تمتد في بعض أفلامه أربعاً أو خمس دقائق بلا قطع. هنا لا يعود المشهد مجرد أداء أمام الكاميرا، بل مساراً كاملاً ينبغي أن يتماسك في الزمن: حركة الممثلين، وحركة الكاميرا، والإضاءة، وإيقاع الفريق، كلها عناصر لا تحتمل الانفصال.وتحدث عن نصائح تلقاها من مديري تصوير لاتخاذ احتياطات إضافية، في مواجهة احتمال أن يختلّ شيء في مشهد يصعب بناؤه من جديد. لكن الاحتياط، في نظره، لا يلغي طبيعة المغامرة، فاللقطة الطويلة تضع الفريق أمام عمل مشترك، يتطلب تركيزاً وثقةً متبادلة، فيما تظل النتيجة غير مضمونة تماماً.ولا تبدو المجازفة هنا استعراضاً شكلياً أو تحدياً تقنياً لذاته. إنها محاولة لبلوغ إحساس محدد، ولذلك حذّر بنسعيدي من أن الحلول البديلة، سواء أثناء التصوير أو في المونتاج، قد تبعد الفيلم عن النبرة التي أرادها. فالسؤال ليس كيف ينجو المشهد من العثرة فحسب، بل كيف يحتفظ بما جعله ضرورياً في الخيال الأول للمخرج.** «الموسيقى الداخلية» معيار الاختيارفي قلب حديثه عن صناعة الفيلم، وضع بنسعيدي علاقة المخرج بفريقه. فالملاحظات والاقتراحات تأتي غالباً من أشخاص يريدون للعمل النجاح، لكنها قد تتراكم إلى حدّ يبدّل وجهته. ومن هنا لا يعني الدفاع عن الرؤية رفض الإصغاء، بل القدرة على تمييز الاقتراح الذي يطوّر الفيلم من ذاك الذي يبعده عن جوهره.سمّى بنسعيدي هذا الجوهر «الموسيقى الداخلية» للفيلم، ذلك الإيقاع الخاص الذي لا يُختزل في الحوار أو الموسيقى المصاحبة، بل يتكون من إحساس العمل وطريقة حركته ونبرته. وهي، في تصوره، بوصلة المخرج حين تتكاثر الخيارات وتتعقد ظروف التنفيذ. فكل قرار، من الكتابة إلى التصوير والمونتاج، ينبغي أن يُقاس بمدى انسجامه مع هذه الروح.لكن الوصول إلى التصوير لا يضمن بقاء الرغبة الأولى حية. بين الفكرة والتنفيذ تتدخل العقبات والاقتراحات والتنازلات، وقد يفقد المشروع شيئاً من حماسته الأولى. لذلك شدد بنسعيدي على أهمية العودة إلى الدافع الذي جعل المخرج يبدأ الفيلم، لا باعتباره تمسكاً جامداً بالفكرة، بل وسيلة لاستعادة الاتجاه حين تتشعب الطرق.** تجربة «ألف شهر» أعادته إلى التمثيلتطرق بنسعيدي كذلك إلى التباين بين الإخراج والتمثيل في حياته. فالإخراج، كما وصفه، يتجاوز العمل المهني إلى شغف يمس إحساسه بوجوده، بينما يرى التمثيل متعة لا تحمل المعنى نفسه. وقد اتخذ في مرحلة سابقة قراراً بالابتعاد عن التمثيل، بل بعدم الظهور في أفلامه.غير أن تجربة فيلم «ألف شهر» غيّرت موقفه. كان يبحث عن ممثل لشخصية لا تظهر إلا في مشهدين، وتتطلب علاقتها بزوجته داخل الفيلم قدراً خاصاً من الرقة. واقترح عليه المنتج أن يؤدي الدور بنفسه، فدخل التجربة متردداً، ثم اكتشف أن وجوده أمام الكاميرا يتيح له ملاحظة أداء زملائه من داخل المشهد، على نحو مختلف عن متابعته لهم من خلف الكاميرا.وشبّه ذلك بالعزف الموسيقي: فالعازف يلتقط النغمات والأخطاء على نحو آخر حين يشارك في صناعة الصوت، لا حين يكتفي بالاستماع إليه. كما رأى أن مشاركة المخرج ممثلاً قد تنشئ علاقة أقرب مع بقية الممثلين، إذ يشعرون بأنه يختبر المشهد معهم، لا أنه يراقبهم ويوجههم من الخارج فحسب.وفي سياق حديثه، استحضر تجارب مسرحية جمعت بين التمثيل والعمل المسرحي لدى موليير وويليام شكسبير، قبل أن يستقل الإخراج بوصفه وظيفةً مهنية. ووصف علاقته بالسينما بأنها علاقة مقدسة، تتلاقى فيها رغبته في قيادة العمل مع حضوره أمام الكاميرا، وتقديمه جزءاً من ذاته للعمل.** رؤية تحمي الفيلم ولا تعزلهكشفت جلسة الجونة عن مخرج لا يبحث عن وصفة واحدة لبناء الفيلم، بقدر ما يبحث عن الإصغاء إلى ما يطلبه كل مشروع. قد يبدأ العمل عنده من صورة، أو يتحدى قواعد الكتابة، أو يغامر بلقطة طويلة، لكن هذه الخيارات لا تكتسب معناها إلا إذا ظلت متصلة بروح الفيلم، وبقدرة المخرج على منحها شكلاً واضحاً.ومن هنا لا تتمثل قوة الرؤية في إقصاء الآخرين، بل في معرفة ما ينبغي أن يتغير وما يجب أن يبقى. فالفيلم، كما توحي تجربة بنسعيدي، ليس تنفيذ فكرة أولى بحذافيرها، ولا استجابةً لكل اقتراح يحيط بها، إنه تفاوض مستمر بين الخيال والواقع، بين حرية الاكتشاف وضرورة الحفاظ على النبرة. وفي هذا التوازن، لا تكون «الموسيقى الداخلية» استعارةً جمالية فحسب، بل معياراً يساعد المخرج على أن يظل الفيلم وفياً لما جعله يبدأ. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم