في بريطانيا سخروا منها ومن تصميماتها.. حاربوها وأرادوا كسرها لأنها امرأة وعربية!

اقتحمت مجالاً ظل حكراً على الرجال لقرون، وتفوقت عليهم جميعاً لتثبت أن لها مكاناً لا يغيب تحت الشمس.

ابنة الرافدين التي تزلزلت لأجلها الثوابت الهندسية، وأذهلت العالم بأسره.. ملكة المنحنيات، وأسطورة المعمار العالمية.. زها حديد!”

وُلدت زها حديد في بغداد خمسينيات القرن الماضي، ونشأت في بيئة تعشق الثقافة والعلم، ومن رحِم عاصمة الرشيد حملت معها شغفاً غيّر وجه التاريخ.

في السبعينيات، سافرت إلى لندن لتدرس الهندسة المعمارية في أرقى مدارسها، وهناك بدأت علامات العبقرية المتمردة تلوح في الأفق؛ فلم تكن ترى العالم عبر زوايا قائمة جامدة، بل كانت ترى المباني ككائنات حية، تتدفق بحرية وتتحرك بانسيابية مع الريح.

تخرجت زها وبدأت تصمم مبانٍ تعتمد على “المستحيل البصري”؛ فلا وجود عندها لجدران مستقيمة، ولا زوايا حادة بـ 90 أو 180 درجة، بل كل شيء ينحني وينساب كالسوائل.

كانت تلك طريقة ثورية جديدة لم تستوعبها عقول المعماريين التقليديين الذين لم يعتادوا الثورة على الموروث الهندسي. كانت جريئة وصادمة في طرحها، وهذا تحديداً ما أخافهم منها!

هنا، واجهت زها حديد ما يمكن تسميته بـ “المؤامرة الأكاديمية”؛ فلعقدين من الزمن —قرابة عشرين سنة— عانت من رفض وتهميش قبيح وقاسٍ من المنظومة الهندسية في الغرب بسبب ثلاثة عوائق: لأنها امرأة، ولأنها أجنبية عربية، ولأن أفكارها سبقت العصر بأميال!

لكن رغماً عن هذا كله، وقفت ابنة الرافدين شامخة كالجبال لا تنحني، وصممت على الاستمرار.

تجلت ذروة التعنت ضدها حين فازت بالمركز الأول لتصميم “دار أوبرا كارديف” في ويلز ببريطانيا، لكن المسؤولين البريطانيين رفضوا تنفيذ تصميمها وألغوا المسابقة كلياً، قائلين ببرود وتعالٍ: “هذه مجرد شطحات خيالية على الورق، ومن المستحيل هندسياً وبنيوياً أن تقف هذه المباني على أرض الواقع!”.

ولسنوات طويلة، أطلقوا عليها في الأوساط الهندسية بسخرية لقب “المعمارية الورقية”، أي تلك التي ترسم في خيالها ولا يثق أحد في منحها شبراً واحداً لتبني عليه.

ولكن.. هل تنكسر امرأة كـ زها؟

بالتأكيد لا؛ بل تحول هذا الحصار والتضييق إلى طاقة تحدٍّ كاسرة للمستحيل.

آمنت بعقلها، وبدأت تثبت رياضياً وإنشائياً أن منحنياتها قابلة للتنفيذ.

وجاء الرد الصاعق الذي أجبر الغرب على الانحناء والاعتذار لها عملياً؛ حيث بدأت تصاميمها تفرض نفسها بقوة من ألمانيا إلى أمريكا، ومن الصين إلى إيطاليا. فشيّدت “مركز حيدر علييف” في باكو —التحفة المعمارية الخالية من أي خط مستقيم— وصممت مركز الألعاب المائية لأولمبياد لندن 2012، ومحطات قطارات ومتاحف ومطارات غيّرت المفهوم البصري لكوكب الأرض.

وفي عام 2004، حققت زها حديد المعجزة الكبرى؛ إذ أُجبرت المنظومة العالمية على منحها جائزة “بريتزكر” —أعلى وسام هندسي في العالم وبمثابة نوبل للعمارة— لتكون أول امرأة في التاريخ وأول شخصية عربية تنال هذا الشرف الرفيع، متبوعة بلقب “سيدة” (Dame) من الملكة البريطانية التي رفض مسؤولوها تصميم زها يوماً!

رحلت زها فجأة وبصمت العظماء عام 2016، لكن مبانيها بقيت واقفة في شموخ تتحدى الجاذبية، وتصفع كل من قال لها يوماً: “لن تنجحي”.

تحدت زها حديد العالم كله، وقالت لهم بالأفعال لا بالأقوال: إن العقول الجبارة لا تعترف بالحدود، ولا بالجنس، ولا باللغة!

قد يرفضون أوراقك، وقد يصفونك بالمجنون، وقد يسخرون منك ويغلقون دونك الأبواب..

لكن إذا آمنت برؤيتك، يمكنك أن تجعل الحجر الصمّ يلين بين يديك، وتجبر العالم بأكمله على أن يسير وفق المنحنيات التي رسمها عقلك!

#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم