عن الفيلم الذكي جداَ والإشكالي جداً فيورد لن تمضي عشرون دقيقة على بداية فيلم “فيورد” حتى ينتابك إحساس عجيب، لا بالألفة فحسب، بل بالتماهي مع حكاية الفيلم وشخصياته. ستكون قد تعرّفت في حياتك، في أي بلد عربي، على تلك العائلة كبيرة العدد، حيث الزوجة والزوج في تشاركية تبدو تراتبية للعين غير الخبيرة بالأسر؛ حيث الأم هي عمود البيت والرجل يقف في ظلّها، لكنها تحفظ له مكانًا غير مُساوَم عليه. صحيح أن العائلة في فيلم “فيورد” هي من رومانيا، وصحيح أنهم من طائفة مسيحية محافظة، لكن الدين هنا هو عقد اجتماعي، بنية محافظة ذات أدوار هرمية، لا يهمّ بعدها إن كنت مسلمًا محافظًا، أو يهوديًا، أو مسيحيًا يتمسّك بمنهج لا يحبّ مساءلته أو الحياد عنه.في “فيورد”، سمعنا أيضًا عن القصة؛ حملت عائلتنا المرتحلة في هجراتها القسرية ذات العبء، وصرخت وتألّمت ذات الألم، وأُسيء فهمها، فسكتت حتى لا تُتَّهم بالتوحّش والرجعية. يحمل الفيلم ذلك السؤال الحداثي الذي تجاوزت دول الشمال إيجاد جواب له، فقد أجابت مجتمعاتهم وارتاحت من عبء الاختبار ومن صعوبة السؤال.بأناة، بحذر، بلقطات مشهدية، يفرد المخرج الروماني الحاصل على سعفة كان للمرة الثانية، كريستيان مونغيو، معضلته أمام جمهور أوروبي غير متعاطف أصلًا، يأتي إليهم بقضية كانوا قد وقفوا ضدها والسلام، ولم يعد لديهم رغبة في العودة إلى الوراء لتقصّي آثارها.لم تركتني يا أبي، أنا ابنك الحبيب؟لم يكن سؤال الفيلم الجوهري إلا عن الأطفال، عن قطع القلوب، وهل الطفل ملكية لأبويه يخضع لقراراتهم دون حساب أو استفسار أو وصاية؟ أم أن الطفل ملك الدولة، يحمل قيمها ولغتها وعاداتها، وإن لم تتّفق قيم الأب والأم مع قيم الدولة، يُسحب الطفل من أبويه ويُسلَّم لمؤسسة عقلانية، حساباتها حسابات الرأس البارد، حساب القوانين ودراسات الصحة النفسية، ما يجوز وما لا يجوز.بأناة، بحذر، بلقطات مشهدية، يفرد المخرج الحاصل على سعفة كان للمرة الثانية، كريستيان مونغيو، معضلته أمام جمهور أوروبي غير متعاطف أصلًا، يأتي إليهم بقضية كانوا قد وقفوا ضدها والسلام، ولم يعد لديهم رغبة في العودة إلى الوراء لتقصّي آثارهاها نحن نقف أمام صورتنا، ففي سنوات التيه لرحلات الهجرة في قرننا الحادي والعشرين، طالما سمعنا عنهم، طالما سمعنا صراخًا مكلومًا لأب وأمٍّ ضربا أولادهما لمصلحتهم، علّماهم قيم الدين والأسرة، وحمّلاهم قيم مجتمعاتهم لأنها قيم لا يستطيعان أن يتخيّلا العالم بدونها.افتح عينك واستفتي قلبكهذا هو “فيورد”، سؤال مفتوح لم تُغلق أقواسه، يعيدك إلى تلك المحاكمة الطويلة غير المأمركة للفيلم الفرنسي “تشريح سقطة” (Anatomie d’une chute)، حيث كما هنا أنت مرتبك في انحيازاتك، فكل جهة تملك الحق؛ ذلك الخط الزلق الذي لا ينفكّ ينجذب تجاه الطرف المعاكس بلا هوادة، وأنت “المتفرج” لا تدري في حق مَن ترمي لعناتك. ربما ما تلعنه هو سؤال الهجرة الكبير، تلك الرحلة من التأقلم والاقتلاع والتجذّر، حيث الألم سيّد الخيارات كلها؛ فخيار الاقتلاع مؤلم، وخيار التوطين والتماهي وتبنّي قيم كنت مستغنيًا عن مساءلتها في مكانك الآمن لا يقلّ إيلامًا. فمن يحتاج هذا الدرس بعد أن بنى عائلة ونجا منها؟يأتي الفيلم اليوم ليحكي عن عالم أكثر تعقيدًا مما يستطيع سكانه اللحاق بفكّ عقده وتشابكاته وحداثته. يأتي بسبب خراب واقتصاد منهك، يأتي بعد حروب وهجرات واندماج إكراهي مع مجتمعات تبدو متشابهة، لكن نسيجها متكتّل غير متجانس، محال إلى التفكك والتشكيك والانهيار، لأنه أصلًا قائم على سوء فهم بين طرفين غير متكافئين. يجد المتديّن اليوم، بقيمه مهما بدت بشكلٍ محق، رجعية ومتخلفة، اضطهادًا من ليبرالية غير غفورة، ليبرالية حادة وأشد تطرفًا بدورها ضد كل ما لا يشبهها؛ سلطة هي الأقوى، تعمل على سحق تلك الفئات الصغيرة المعزولة بآلية قانونية وبنية مؤسسية.فئات تستعطف جنة الليبرالية، حقوق الإنسان، وقيم التعليم، وحقوق العمال في العيش والطبابة، لكنها في المقابل فئات ليست جاهزة بعد للقفز قفزات كبيرة نحو الحداثة، وإن فعلت فُكسِّر لها طرف أو فُقئت لها عين.مونغيو لا يثق بالمونتاج حين يريد أن يقول الحقيقة. لقطاته غير متوقفة، تمتد أحيانًا خمس دقائق أو سبعًا دون قطع، وهي تتلمس الوجوه دون استعراض تقني، بل هي عين ورؤية تحمل موقفًا أخلاقيًا: تخبرك بحياد وبرود مميتين، لن أختار لك ما تراه، وهذه لقطاتي المحتشدة بالشخصيات أمامك، لن أروّض عاطفتك بمونتاج يقفز وينتقل إلى وجهات يريدها لك مخرج ذكي، فقد قرر لك أن تجلس مع هذه العائلة هناك في الغرفة كما هي، وتقرر أنت. الكاميرا تسرح في الفضاء بصمت، وهذا الصمت البصري هو ما يجعل التوتر يتراكم تحت جلد المتفرج لا عليه.لم يختر مونغيو تلك القرية النرويجية التي تقبع تحت الثلج الكثيف عن عبث، فالمكان أيضًا شخصية تلعب دورًا غير ثانوي في الفيلم. تلك القرية النرويجية المختنقة ببياضها، بنقاء مزيف، طوال الفيلم تقريبًا، تحمل جمالًا موجعًا، نظيفة نظافة تقلق. هذا البهاء البارد مثير للريبة لشدة كماله، مما يجعل ما يحدث من قسوة أشد قسوة؛ فها هو الظلم يأتي من مكان يبدو فردوسًا، ويصعب أن تراه غير ذلك. والممثلان يستوعبان هذه اللعبة جيدًا. أداؤهما مكبوح عن سابق قصد، تركا البكاء المسرحي وراءهما، وتركا المواجهات الصاخبة لمن يحب الدراما الرخيصة السهلة، لأن شخصيتيهما المدربة والذكية، بحصافة مخرج ذو خبرة، عرفت أن أي انفجار عاطفي قد يكلّفهما فقدان الجمهور، وقد يكلفهما بجدية شديدة أطفالهما. فأتى ضبط المشاعر بعيدًا عن مسببات الوهن الدرامي، بل يصبح هو الدراما ذاتها، حيث ما لا يُقال هو ما تحمله أنت من عذاب وألم بدلًا عنهم، وتخرج أنت من الصالة ثقيلًا كأنك أنت من كان في قفص الاتهام.يأتي الفيلم اليوم ليحكي عن عالم أكثر تعقيدًا مما يستطيع سكانه اللحاق بفكّ عقده وتشابكاته وحداثته. يأتي بسبب خراب واقتصاد منهك، يأتي بعد حروب وهجرات واندماج إكراهي مع مجتمعات تبدو متشابهة، لكن نسيجها متكتّل غير متجانس، محال إلى التفكك والتشكيك والانهيارعن نجوم حملوا وجوهنا وحيرتنايأتي نجوم الفيلم من نجاحات هائلة، من سينما رصينة نجحت أيضًا في شباك التذاكر وفي المهرجانات الكبرى. صرّح المخرج كريستيان مونغيو بأن فيلم “فيورد” كان بحاجة إلى نجوم من أمثال سيباستيان ستان ورينات راينسفي كي يدفع الجمهور بعدها إلى التأمل، وهو محق. فسيباستيان ستان، الروماني الذي غادر بلاده طفلًا ليصبح نجمًا أمريكيًا، وجد في “فيورد” عودة من نوع غريب — ليس إلى الوطن، بل إلى اللغة والجذر. بعد ترشحه للأوسكار عن “المتدرّب” عام 2024، يقدّم هنا أداءً مختلفًا تمامًا؛ رجل يكتم كل شيء لأنه لا يملك ترف الانفجار. أما رينات راينسفي، النرويجية التي أدهشت العالم بـ”أسوأ إنسان في العالم” عام 2021، ثم بـ”القيمة العاطفية” الذي أوصلها إلى ترشيح للأوسكار عام 2025، فتعود في “فيورد” إلى لغتها الأم وإلى دور مختلف — أم تحاول أن تبقى واقفة حين يُؤخذ منها كل شيء. ومونغيو نفسه، الذي لا يُكثر من الأفلام ولا يُبذر موهبته، جاء إلى كان عام 2007 بـ”أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان” فأخذ السعفة وترك الجمهور في صمت ثقيل. عاد مرتين بعدها ونال جوائز، لكنه يعود هذه المرة بسؤال أكبر وجمهور أصعب.لكن حين تمنح كان السعفة الذهبية لفيلم ما، فهي تمنح رأيها في العالم لا في الفيلم فحسب. لكن “فيورد” لم يكتفِ بذلك؛ جاءته الجوائز من جهات لا تتفق عادةً على شيء، نقاد الصحافة الدولية منحوه جائزة “فيبريسكي” (FIPRESCI)، ولجنة الكنائس المسيحية منحته جائزتها الإكومينية، وتوّجت جائزة فرنسوا شاليه هذا الإجماع غير المعتاد. أربع جوائز من كان في ليلة واحدة، من مرجعيات مختلفة ومنطلقات متباعدة، كأن الفيلم أصاب عصبًا مشتركًا في أجساد لا تتشابه. وهذا بالضبط ما يجعله مقلقًا وذكيًا وآخذًا في آن، فحين يتفق من لا يتفقون، فذلك لأن السؤال الذي طرحه الفيلم كان أكبر من أي إجابة يملكها أيٌّ منهم.
#عبير داغر#مجلة ايليت فوتو ارت..


