فيلم The Vanishing (1988)

يبدأ فيلم The Vanishing (1988) بلقطة لحشرة تتماهى مع جذع شجرة، محاولةً الاختفاء داخل العالم الذي تنتمي إليه، وينتهي باللقطة ذاتها تقريبًا، لكن بلون مختلف ، تماهٍ يبدو للوهلة الأولى وكأنه اختفاء تام، إلا أنه في الحقيقة لا ينفي الوجود بقدر ما يعيد تعريفه ، فالكائن لا يختفي، بل يغير فقط طريقة رؤيتنا له ،منذ هذه اللحظة الأولى، يضعنا الفيلم أمام سؤاله المركزي: هل الغياب هو انعدام الوجود، أم مجرد فقدان القدرة على إدراكه؟

بهذه اللقطة تبدأ رحلة بطيئة، إيقاعها لا يُرى بقدر ما يُحس، يتسلل تحت الجلد تدريجيًا ، في الدقائق الأولى نشعر بأن شيئًا ما على وشك الحدوث، لكن لا شيء يحدث فعليًا وكأن الفيلم يجس نبض المتفرج لا أكثر ، مثال لذلك عندما تتعطل السيارة داخل النفق في الثلث الأول، يتسلل إلينا شعور الكارثة عبر الأصوات وقلق الشخصيات وضيق المكان، لكن الموقف يمر بسلاسة غير متوقعة، وكأن الفيلم يتعمد تدريبنا على القلق دون مكافأة فورية ، هذه الخدعة السردية تصبح لاحقًا جوهر التجربة، حين تختفي الفتاة في أكثر اللحظات اعتيادية أثناء ذهابها إلى السوبرماركت.

من هنا يتحول الفيلم جذريًا: نحن لم نعد نشاهد القصة، بل نعيش حالة البطل ، لا نفهم ما حدث، ولا إلى أين ذهبت، ولا حتى إن كان هناك تفسير منطقي لما جرى ، الاختفاء هنا لا يُقدم كحدث درامي، بل كفراغ وجودي مفاجئ، ثقب يُفتح داخل الواقع نفسه.

وعندما يبدأ المخرج في كشف وجهة نظر الخاطف، لا يفعل ذلك لإشباع فضولنا، بل ليعذبنا معرفيًا ، نحن نمتلك معلومات أكثر من البطل، ومع ذلك لا نشعر بتفوق عليه ، على العكس كل معرفة جديدة تقربنا من عجزه ، فالفيلم يقلب قاعدة التشويق التقليدية: المعرفة لا تمنح السيطرة، بل تعمق الإحساس بالقدرية ، وحتى اللقطة الأخيرة، يصبح إدراكنا وإدراك البطل متطابقين ، ليس لأننا فهمنا كل شيء، بل لأننا وصلنا إلى نفس الحد من العجز أمام الحقيقة.

الطريقة السردية غير الكلاسيكية والتنقل بين الذكريات، القفز عبر السنوات، وتجاوز الزمن دون لحظات ذروة واضحة ، تجعل الزمن نفسه عنصرًا وجوديًا داخل الفيلم ، السنوات الثلاث، تبدو كعشر سنوات، لا تمر كأرقام زمنية، بل كحالة انتظار ممتدة ، الزمن هنا لا يشفي، بل يرسخ الغياب، وكأن الاستمرار في العيش ليس دليلًا على التعافي بل على استحالة التوقف.

يطرح الفيلم تصورًا مرعبًا للوجود: الإنسان لا يخاف الموت بقدر ما يخاف الاختفاء دون معنى ، ما يرعب البطل ليس فقدان حبيبته فقط، بل عدم معرفته بما حدث لها ، فالمجهول يحرم الفقد من نهايته، ويجعل الحزن معلقًا خارج الزمن ، الوجود في The Vanishing، مرتبط بالمعرفة أن تعرف مصير شيء ما يعني أنه ما زال موجودًا داخل نظام العالم المفهوم ، أما الجهل فهو شكل آخر من العدم.

ولهذا تعود لقطة الحشرة في النهاية: التمويه ليس نجاة، بل تعليق بين الحضور والغياب ، الكائن موجود لكنه غير قابل للإدراك وهنا يكمن رعب الفيلم الحقيقي ، أن أسوأ ما قد يحدث للإنسان ليس أن يموت، بل أن يتحول إلى شيء لا يمكن التأكد من وجوده # حسين الحميد # السينما والعالم# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم