فيلم موهبة القتل للمخرجة هيلين ميرين. شخصيات مربكة بتطابقها مع الواقع.

💥 مراجعة | «موهبة القتل».. هيلين ميرين تلعب بالنار لعبة نفسية شرسة في مواجهة ملغومة تورنتو ـ خاص «سينماتوغراف»ماذا يحدث حين تقابل الكاتبة قاتلاً يشبه شخصياتها أكثر مما ينبغي؟.من هذه المفارقة الذكية ينطلق «موهبة القتل» (A Talent for Murder)، فيلم أنطون كوربين الذي لا يقدم باتريشيا هايسميث كسيرة أدبية تقليدية، ولا يكتفي بإعادة تدوير عالمها البوليسي، وإنما يضعها داخل واحدة من ألعابها المفضلة.. رجل غامض، قصة لا يمكن الوثوق بها، وجريمة تبدأ على الورق قبل أن يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الخيال وتبدأ الحقيقة.في قلب اللعبة، تقف هيلين ميرين في أداء شديد الذكاء أمام ألدن إرينريتش. ميرين تجسد هايسميث كامرأة حادة ومزعجة ومتعالية، لكنها في الوقت نفسه شديدة الذكاء والقدرة على قراءة الآخرين. لا تحاول الممثلة تلطيف شخصية الكاتبة أو تحويلها إلى ضحية لسمعتها، بل تمنحها تلك القسوة التي جعلتها قادرة على النظر إلى الجانب الأكثر قتامة في النفس البشرية.واللافت أن الفيلم لا يحتاج إلى كثير من الدماء كي يصنع إحساساً بالخطر، يكفي أن يجلس شخصان في غرفة واحدة، وكل منهما يحاول أن يعرف ما الذي يخفيه الآخر.** لعبة القط والقطيعود السيناريو، الذي كتبته جوانا موراي-سميث مقتبساً من مسرحيتها «سويسرا» (Switzerland)، إلى عام 1995، حين تعيش هايسميث في عزلة بسويسرا. يصل إليها إدوارد ريدجواي، وكيل شاب من دار النشر التي تتعامل معها، في مهمة تبدو بسيطة، إقناعها بكتابة رواية سادسة عن توم ريپلي.لكن إدوارد ليس مجرد موظف جاء لإنجاز مهمة.من اللحظة التي يدخل فيها عالم هايسميث، تبدأ في فحصه كما لو كان شخصية جديدة. تعرف أنه قرأ أعمالها، وتراقب طريقته في الحديث، وتلتقط التفاصيل الصغيرة في قصته عن ماضيه. وهو، من جانبه، يعرف الكثير عنها وعن شخصياتها، إلى الحد الذي يجعل وجوده في منزلها يبدو أقل براءة مما يدعي.هنا ينجح الفيلم في قلب المعادلة التقليدية لفيلم الإثارة، لا ننتظر أن نعرف من سيقتل، وإنما نبدأ في التساؤل من الذي كان يخطط لكل شيء منذ البداية؟.** ريپلي بين الورق والواقعيستثمر الفيلم شخصية توم ريپلي باعتبارها أكثر من مجرد مرجع أدبي. فالرجل الذي ابتكرته هايسميث، واشتهر في «السيد ريپلي الموهوب» (The Talented Mr. Ripley)، يصبح ظلاً يمتد فوق الأحداث.ومع شروع هايسميث في التفكير في رواية جديدة، تبدأ شخصيات الفيلم نفسها في الاقتراب من عالم ريپلي، التلاعب، التنكر، الرغبة في حياة أفضل، والاستعداد لعبور الخط الأخلاقي عندما تصبح المصلحة أقوى من الضمير.وتصبح اللعبة أكثر تعقيداً حين يدخل إدوارد إلى الحكاية التي يكتبها، فيظهر إرينريتش داخل العالم المتخيل بشخصية أقرب إلى ريپلي، بينما تتحول كليمنتين، التي تؤديها أوليفيا كوك، من شخصية عابرة في رحلة القطار إلى عنصر أساسي في الخطة.الفيلم هنا لا يقول إن الحياة تشبه الرواية، بل يقترح شيئاً أكثر إثارة، ماذا لو بدأت الرواية في كتابة الحياة؟.** ميرين تملك الشاشةإذا كان السيناريو هو العقل المدبر للعبة، فإن ميرين هي القوة التي تمنحها الحياة.في أدائها، تبدو هايسميث وكأنها تعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. تجلس، تدخن، تشرب، تنظر، ثم تترك الصمت يعمل نيابة عنها. وحتى عندما تكون فظة أو عنصرية، لا يحاول الفيلم تبريرها، بل يستخدم هذه الصفات لتقديم امرأة صعبة المراس، لا يمكن اختزالها في صورة «الكاتبة العبقرية».وهنا تكمن براعة ميرين، إنها لا تؤدي هايسميث بوصفها شخصية تاريخية فحسب، وإنما بوصفها كاتبة تراقب العالم كما لو كان مادة خاماً لرواية جريمة.في المقابل، يقدم إرينريتش أداءً أكثر هدوءاً. يبدأ رجلاً مهذباً، ربما ساذجاً بعض الشيء، ثم تظهر تدريجياً شقوق في صورته. لا يقدم الممثل إجابة واضحة عن حقيقته، وهذا تحديداً ما يجعل حضوره فعالاً.** كوربين يصنع الخطر بالصورةأنطون كوربين، القادم من عالم التصوير الفوتوغرافي والموسيقى قبل السينما، يعرف جيداً كيف يجعل المكان حاملاً للمعنى.منزل هايسميث السويسري جميل، واسع ومرتب، لكنه لا يمنح شعوراً بالراحة. السماء شديدة الصفاء، والطبيعة هادئة، والأثاث موضوع بعناية؛ ومع ذلك، يبدو المكان كأنه يخفي شيئاً.تتسع الصورة لاحقاً مع الانتقال إلى روما، حيث تصبح المساحات أكثر فخامة، وتدخل الشخصيات في عالم يبدو قريباً من أحلام ريپلي. تصوير روبي رايان يلتقط هذا التناقض بين الجمال والخطر، فيما يحافظ كوربين على إيقاع متأنٍ يترك التوتر يتسلل بدلاً من فرضه.وهذا خيار مناسب لفيلم لا يعتمد على المطاردات، وإنما على النظرات والحوارات والتفاصيل التي تبدو عادية حتى تكتسب لاحقاً معنى مختلفاً.** حين يصبح القاتل مرآةفي أفضل لحظاته، يتجاوز «موهبة القتل» لعبة الألغاز ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يحتاج الكاتب إلى أن يكون قاتلاً كي يفهم القاتل؟.هايسميث عرفت كيف تدخل إلى رؤوس شخصياتها، وكيف تمنح الشر وجهاً إنسانياً من دون أن تبرره. والفيلم يستعيد هذه الفكرة من خلال علاقتها بإدوارد، الذي يصبح تدريجياً امتداداً محتملاً لشخصياتها.وعندما تسأله كيف يمكن أن يقتل، لا يعود السؤال مجرد جزء من رواية جديدة. تصبح الحدود بين المؤلف والشخصية والممثل والشخص الحقيقي شبه معدومة.هذه هي المنطقة الأكثر إثارة في الفيلم، وهي أيضاً المنطقة التي كان يمكن أن يذهب إليها أبعد. فالفيلم يفتح أبواباً واسعة حول الهوية والازدواجية وطبيعة الشر، لكنه لا يمنح جميع هذه الأسئلة المساحة نفسها كي تنضج، وتبدو بعض الالتواءات الأخيرة أقل قوة من البناء الذي سبقها.لكن ذلك لا يبدد متعته.«موهبة القتل» ليس سيرة باتريشيا هايسميث، ولا يحاول أن يكون كذلك. إنه تحية سينمائية ذكية إلى عالمها، يستخدم أدواتها كي يضع المشاهد في الموقع الذي أحبته هي.. مكان لا يستطيع فيه أن يثق تماماً بما يراه.وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي، هل إدوارد قاتل؟.السؤال الأكثر إثارة هو، هل كتبته هايسميث.. أم أنه كان موجوداً بالفعل؟. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم