فيلم «للوهلة الأولى» (Prima Facie) يناقش فكرة كيف ، تتحول المحامية التي تدافع عن المظلومين الى ضحية تحتاج اثبات للبراءة.

💥 مراجعة | «للوهلة الأولى».. عندما ينقلب القانون على صاحبته سينثا إريفو تتألق في مهرجان «تورنتو»تورنتو ـ خاص «سينماتوغراف»في عرضه ضمن مهرجان تورنتو السينمائي، يطرح فيلم «للوهلة الأولى» (Prima Facie) سؤالاً شديد الأهمية، ماذا يحدث عندما تتحول المحامية التي كرست حياتها لإثبات براءة المتهمين إلى امرأة مطالبة بإثبات أنها تعرضت لاعتداء؟.يبدو السؤال كافياً لصناعة دراما قوية، خصوصاً أن الفيلم يستند إلى المسرحية الشهيرة للكاتبة سوزي ميلر، التي كتبتها مستفيدة من خبرتها السابقة كمحامية في مجالي حقوق الإنسان والعدالة الجنائية. لكن الانتقال من خشبة المسرح إلى الشاشة يكشف عن مفارقة أساسية.. قصة تملك قوة إنسانية وقانونية استثنائية، تجد نفسها داخل معالجة سينمائية تقليدية لا تثق تماماً بقدرة الصورة والشخصية على التعبير، فتستعين بالشرح المستمر لتعويض ما تفتقده درامياً.** محامية تصطدم بالنظامتؤدي سينثيا إريفو شخصية تيسا إنسلر، محامية دفاع جنائي صاعدة في لندن، تنتمي إلى خلفية متواضعة وتعمل داخل مؤسسة قانونية لا تزال امتيازاتها الاجتماعية واضحة. تيسا امرأة صنعت نفسها بنفسها، وتعلمت أن القانون لا يبحث بالضرورة عن الحقيقة، بل عن الأدلة التي يمكن تقديمها وإقناع المحكمة بها.بالنسبة إليها، الدفاع عن المتهمين بالاعتداء الجنسي ليس موقفاً أخلاقياً بقدر ما هو لعبة لها قواعدها. لا يعنيها كثيراً إن كان موكلها مذنباً أو بريئاً؛ مهمتها أن تضمن له أفضل دفاع ممكن.هذه الرؤية المهنية لا تقدم تيسا كشخصية قاسية، بل تكشف عن قدرتها على الفصل بين المشاعر والعمل. غير أن هذا الفصل ينهار عندما تتعرض هي نفسها لاعتداء جنسي من شخص تعرفه وتثق به.فجأة، تصبح المرأة التي اعتادت تفكيك شهادات الضحايا مطالبة بالدفاع عن شهادتها الخاصة. وهنا يضع الفيلم إصبعه على جوهر القضية.. النظام القانوني الذي مكّن تيسا من الصعود، هو نفسه النظام الذي يجعل تجربة الضحية موضع شك دائم.** قوة الموضوع لا تكفيلا جدال في أهمية القضية التي يتناولها الفيلم. العنف الجنسي، واختلال موازين القوة، وصعوبة وصول الضحايا إلى العدالة، كلها موضوعات تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتصبح جزءاً من نقاش اجتماعي عالمي.لكن «للوهلة الأولى» لا ينجح دائماً في تحويل هذه الأهمية إلى تجربة سينمائية مؤثرة.المشكلة الأساسية أن الفيلم يشرح كثيراً، ويترك للمشاهد مساحة قليلة لاكتشاف ما يحدث. يعتمد بصورة واضحة على التعليق الصوتي، فتتحدث تيسا عن مشاعرها وأفكارها وتحولاتها بدلاً من أن تترك للصورة والسلوك والصمت مهمة التعبير عنها.كان يمكن لهذه الشخصية أن تكون أكثر تعقيداً لو رأينا أثر الاعتداء يتسلل إلى حياتها تدريجياً، في علاقتها بعملها وأسرتها وجسدها وذاكرتها. لكن السيناريو غالباً ما يختصر الطريق، ويقدم تفسيراً مباشراً لكل تحول، وكأن الفيلم يخشى أن يفشل الجمهور في فهم قضيته.وهنا يتحول العمل من دراما إنسانية إلى ما يشبه أطروحة قانونية مصورة.** إريفو تحمل الفيلموسط هذا التردد، تقدم سينثيا إريفو أداءً هو بلا شك العنصر الأكثر قوة في الفيلم.تدرك إريفو أن تيسا ليست مجرد ضحية، ولا مجرد محامية فقدت ثقتها بالنظام. إنها امرأة عاشت سنوات وهي تؤمن بقواعد مؤسسة قانونية، ثم اكتشفت أن هذه القواعد لا تعمل بالطريقة نفسها عندما تصبح هي الطرف الأضعف.في النصف الأول، تظهر إريفو بثقة هادئة، وحضور مهني محسوب، وقدرة على السيطرة على المكان من دون استعراض. ثم يبدأ هذا التماسك في الانهيار تدريجياً، لا عبر الانفعالات الكبيرة، بل من خلال تغيرات دقيقة في النظرات ونبرة الصوت ولغة الجسد.تمنح إريفو الشخصية إنسانية لا يوفرها السيناريو دائماً. وفي المشهد القضائي الأخير، خصوصاً خلال المونولوج الطويل، تنجح في استعادة القوة المسرحية التي اشتهرت بها المسرحية الأصلية، وتقدم لحظة أداء تكشف التناقض بين لغة القانون وتجربة الجسد.إنها لحظات تبرهن على موهبة إريفو، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الفيلم كان يمكن أن يكون أكثر تأثيراً لو منح ممثلته مساحة أكبر بدلاً من إحاطتها بطبقات من الشرح والتفسير.** من المسرح إلى الشاشةتكمن إحدى أكبر مشكلات «للوهلة الأولى» في عدم نجاحه الكامل في تحرير نفسه من البناء المسرحي.كانت المسرحية تعتمد على ممثلة واحدة تقريباً، وعلى قدرتها على التواصل المباشر مع الجمهور وتحويل اللغة القانونية إلى اعتراف شخصي مؤلم. أما الفيلم، فيحاول توسيع العالم بإضافة أماكن وشخصيات وعلاقات عائلية ومهنية.غير أن التوسع البصري لا يؤدي بالضرورة إلى تعميق التجربة.بدلاً من ابتكار لغة سينمائية تستثمر في المسافة والذاكرة والغياب، يتجه الفيلم إلى الشكل المألوف للدراما القانونية. نرى المكتب، المحكمة، الأسرة، المواجهات، ثم نعود إلى المحكمة مجدداً. وهكذا، يفقد العمل شيئاً من الاختناق الداخلي الذي كان يمكن أن يجعل رحلة تيسا أكثر خصوصية.تبدأ النبرة بدراما مهنية خفيفة تذكّر بأفلام بيئة العمل، قبل أن تنتقل إلى الإثارة النفسية، ثم تستقر في النهاية كدراما قضائية. هذا التعدد في النبرات ليس مشكلة في ذاته، لكن الانتقالات لا تبدو دائماً عضوية، وكأن الفيلم يبحث عن الشكل المناسب لقصة لا يزال غير واثق من كيفية سردها.** مشهد الاعتداء والسؤال الأخلاقييطرح الفيلم سؤالاً مهماً حول كيفية تصوير الاعتداء الجنسي، لكنه لا يقدم إجابة فنية مقنعة تماماً.في مشهد الاعتداء، يعتمد الإخراج على صور متقطعة ورموز بصرية مباشرة، بينها زجاج محطم ولقطات مظلمة وأصوات داخلية. الهدف واضح.. تجنب تحويل الجريمة إلى مشهد استعراضي.لكن النتيجة لا تحقق دائماً هذا الهدف.فبدلاً من التركيز الكامل على التجربة النفسية للضحية، يبدو الفيلم منشغلاً أحياناً بكيفية إخراج المشهد نفسه. والأسوأ أن المعالجة البصرية لا تمنح الشخصية دائماً الوضوح أو الحضور الذي تستحقه، فتظل الضحية محاصرة داخل تصميم بصري مرتبك.هذه المشكلة تصبح أكثر حساسية مع اختيار إريفو، إذ إن تصوير البشرة الداكنة يحتاج إلى عناية إضائية تتيح للممثل أن يحتفظ بحضوره وتفاصيله الإنسانية. لكن الفيلم لا ينجح دائماً في ذلك، ما يجعل بعض لحظاته البصرية أقل قوة مما ينبغي.** العرق والطبقة.. حضور ناقصيحاول فيلم «للوهلة الأولى» توسيع قضايا المسرحية الأصلية لتشمل العرق والطبقة الاجتماعية من خلال اختيار إريفو للدور.تيسا ابنة أم عزباء تعمل في التنظيف، وقد قطعت طريقاً طويلاً للوصول إلى موقعها المهني، ويقدم الفيلم عائلتها بوصفها جزءاً من خلفيتها، ويشير إلى التناقض بين عالمها العائلي ومؤسسة المحاماة التي تعمل فيها.لكن هذه العناصر لا تتحول إلى معالجة متماسكة.لا يتعمق الفيلم بما يكفي في كيفية تأثير كون تيسا امرأة سوداء من الطبقة العاملة داخل مؤسسة قانونية نخبوية، أو كيف يمكن لهذه الهوية المركبة أن تؤثر في تجربة الاعتداء والعدالة. بل إن تجاهل هذه الأسئلة يجعل الإضافة المتعلقة بالعرق أقرب إلى اختيار تمثيلي منها إلى ضرورة درامية.«للوهلة الأولى» فيلم مهم من حيث موضوعه، لكنه أقل نجاحاً في تحويل هذا الموضوع إلى تجربة سينمائية مكتملة. يمنحنا أداءً قوياً ومؤثراً من سينثيا إريفو، ويطرح مواجهة ذكية بين القانون والعدالة الشخصية، لكنه يتعثر في انتقاله من المسرح إلى الشاشة.د #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم