فيلم قساطل للمخرج اللبناني كريم قاسم المشارك في مسابقات الجونة . يحكي عن روايط المجتمع الهشة والازمات الخانقة.

💥 مراجعة | «قساطل».. عطش الأرض يكشف عطش البشردراما لبنانية تختبر هشاشة الروابط الاجتماعيةالجونة، مصر ـ خاص «سينماتوغراف»لا تبدأ الأزمات الكبرى دائماً من أحداث استثنائية، أحياناً يكفي أن تنقطع المياه عن قرية صغيرة حتى تنكشف هشاشة العلاقات بين أهلها، وتطفو على السطح أسئلة مؤجلة عن التضامن والغياب والموت. من هذه التفاصيل اليومية يبني المخرج اللبناني كريم قاسم فيلمه «قساطل» (Pipes)، المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية لمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.يختار «قساطل» أن يقترب من الإنسان عبر ما يبدو للوهلة الأولى مشكلة خدمية بسيطة، قسطل مفقود يعطل إمدادات المياه في قرية لبنانية أنهكها الجفاف. لكن العطل لا يظل محصوراً في شبكة الأنابيب، إذ يعيد حسن، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، إلى دائرة المسؤولية التي لم يستطع الانفصال عنها حتى بعد انتهاء سنوات عمله. فمعرفته بالمكان وخبرته المهنية تجعلان منه مرجعاً لأهالي القرية، بينما يواجه هو حزناً شخصياً بعد وفاة صديقه البنغلادشي رضا في ظروف غامضة.من هنا، تتقاطع مهمة إصلاح شبكة المياه مع محاولة فهم ملابسات الموت، ويتحول البحث عن القسطل إلى مسار يكشف علاقات القرية وتناقضاتها. لا يقدم كريم قاسم حكاية تحقيق تقليدية تنشغل بتجميع الأدلة وصولاً إلى حل نهائي، بقدر ما يتخذ من اللغز مدخلاً إلى حياة رجل يواجه الوحدة والفقد، في وقت يحتاج فيه الآخرون إلى خبرته أكثر من أي وقت مضى. ** الحياة اليومية بوصفها دراماتكمن إحدى نقاط قوة الفيلم في اختياره الابتعاد عن المبالغة الدرامية. فالأزمة لا تتحول إلى ذريعة لصناعة مشاهد صاخبة أو صراعات مفتعلة، بل تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتجاور الحاجة العملية إلى المياه مع التوترات الاجتماعية والأسئلة التي يثيرها غياب شخص ظل جزءاً من المجتمع لسنوات.بهذا المعنى، لا تعمل القساطل مجرد عنصر في الحبكة أو عنوان حرفي للفيلم، إنها جزء من البنية التي تربط أفراد القرية بعضهم ببعض. فحين تتعطل الشبكة، يتضح أن ما يجمع السكان ليس دائماً روابط عاطفية معلنة، بل مصالح متبادلة واعتماد يومي على الآخرين، سرعان ما يتعرض للاختبار عندما تتفاقم الأزمات.ويمنح هذا الاختيار الفيلم بعداً اجتماعياً يتجاوز أزمة المياه نفسها. فالجفاف هنا ليس مجرد ظرف طبيعي، بل ضغط يكشف حدود التضامن داخل مجتمع صغير، فيما تطرح وفاة رضا سؤالاً أكثر إيلاماً عن قيمة الإنسان وموقعه في الجماعة التي عاش بينها. ومن خلال شخصية العامل المهاجر، يفتح الفيلم نافذة على تفاوت خفي في الاعتراف بالآخرين، وعلى احتمال أن يمر غياب إنسان من دون أن يحظى بالاهتمام الذي يستحقه.** أداء بلا استعراضيمثل غسان سعد مركز الثقل الإنساني في الفيلم، من خلال شخصية حسن التي تستمد جانباً من صدقيتها من تقاطعها مع حياة الممثل نفسه. فقد أمضى سعد سنوات طويلة في العمل بمصلحة المياه، وظلت علاقته بأهل قريته قائمة حتى بعد تقاعده، وهي خبرة استفاد منها كريم قاسم في بناء الشخصية ومنحها تفاصيل تنتمي إلى الحياة الفعلية، لا إلى تصور مجرد عن رجل متقاعد. وتبدو أهمية هذا الاختيار في أن حسن ليس بطلاً استثنائياً بالمعنى السينمائي المعتاد، إنه رجل عادي، يحمل مسؤولياته القديمة ويواصل أداء ما يراه واجباً، حتى عندما يصبح بحاجة إلى التوقف والتفرغ لحزنه. لذلك لا تنبع قوة الشخصية من خطب أو انفعالات كبيرة، بل من التناقض بين استعداده الدائم لمساعدة الآخرين وعجزه عن العثور على مساحة خاصة لمواجهة خسارته.ويستفيد الفيلم من حضور سعد الطبيعي أمام الكاميرا، ومن قرب الشخصية من تجربته الحياتية، ليجعل الأداء امتداداً للسلوك اليومي لا استعراضاً للمهارة. وقد منحته هذه المقاربة مساحة للتعبير عن حسن بقدر من التلقائية، وهو ما ينسجم مع عالم الفيلم الذي يفضل التفاصيل الصغيرة على الانفعالات المصنوعة.وجائزة أفضل ممثل في كارلوفي فاري تمنح هذا الأداء اعترافاً دولياً مهماً، لكنها لا تمثل وحدها معيار نجاح التجربة، فقيمة سعد تكمن في قدرته على حمل إيقاع الفيلم الهادئ، وربط مساريه ـ أزمة المياه وحزن الفقد ـ عبر شخصية لا تحتاج إلى الإفصاح عن كل ما تشعر به حتى يصبح ألمها مفهوماً.** التأمل وحدود الغموضيبتعد كريم قاسم عن البناء السردي التقليدي، مفضلاً البقاء قريباً من يوميات حسن، وإفساح المجال للمحادثات والانتظار والتفاصيل التي قد تبدو عابرة في سياق الحكاية. ويمنح هذا الإيقاع المكان فرصة كي يصبح جزءاً من الحالة النفسية للشخصية، فالقرية ليست خلفية محايدة للأحداث، بل فضاء تتراكم فيه آثار الجفاف والعزلة والذاكرة.لكن هذا الخيار الجمالي يحمل مخاطره أيضاً. فالإيقاع المتأني يحتاج إلى توازن دقيق بين التأمل والتقدم الدرامي، وبين ترك الأسئلة مفتوحة والحفاظ على فضول المشاهد. وحين يتسع حضور التفاصيل اليومية على حساب تطور بعض الخيوط السردية، قد يشعر المتلقي بأن الفيلم يكرر حالته أكثر مما يطورها. لذلك تتوقف فاعلية هذا الأسلوب على قدرة الصورة والمواقف والعلاقات على إنتاج دلالات جديدة، لا الاكتفاء بتأكيد الإحساس نفسه.مع ذلك، ينسجم بطء الحكاية مع طبيعة موضوعها، فالحزن لا يتقدم وفق إيقاع التحقيقات، والوحدة لا تنتهي بمجرد اكتشاف حقيقة، كما أن إصلاح عطل مادي لا يعيد بالضرورة ما فقدته الشخصية من طمأنينة. ومن هنا، يمنح الفيلم الوقت وظيفة تعبيرية، وإن كان هذا الرهان يتطلب من المشاهد استعداداً لمتابعة التحولات الدقيقة بدلاً من انتظار تصاعد درامي مباشر.** أزمة المياه وسؤال الكرامةتتسع رؤية «قساطل» حين يضع مشكلة القرية في مواجهة مصائر أفرادها. فالمياه مورد أساسي للحياة، لكن غيابها يختبر أيضاً قدرة المجتمع على توزيع المسؤولية والاعتراف بمن يقدمون له الخدمة، بينما يكشف موت رضا أن الروابط اليومية قد لا تكون كافية لضمان حضور الجميع في الذاكرة الجماعية.ولا يطرح الفيلم هذه الأسئلة عبر خطاب مباشر، بل يتركها تتشكل من تداخل الوقائع: رجل متقاعد لا يزال مطلوباً، قرية تبحث عن موردها الأساسي، وصديق راحل تستدعي وفاته العودة إلى ما كان يجمعه بالآخرين. وتكمن قوة هذه المقاربة في أنها لا تفصل الاجتماعي عن الشخصي، فالأزمة العامة تتجسد في تفاصيل الحياة، بينما يمنح الحزن الفردي الأحداث معناها الأعمق.ومع ذلك، لا يعني الطابع الإنساني أن الفيلم يتجاوز كل حدود المعالجة أو يحول رموزه إلى صياغة مكتملة. فبعض الأسئلة التي يثيرها عن التهميش والتضامن تبقى رهينة ما يلتقطه المشاهد من العلاقات والتفاصيل، ولا تتحول جميعها بالضرورة إلى مسارات درامية متساوية القوة. وهذه مساحة تمنح العمل ثراءه، لكنها تترك أيضاً مجالاً للتفاوت في تلقيه.** الإنسان خلف العطلفي المحصلة، يراهن «قساطل» على سينما تراقب الحياة من مسافة قريبة، وتبحث عن المعنى في تفاصيل قد لا تستوقف أحداً خارج سياقها. وهو لا يجعل من أزمة المياه حكاية عن نقص مورد فحسب، بل يستخدمها لكشف هشاشة التوازن داخل مجتمع صغير، فيما تتحول وفاة الصديق إلى اختبار لقيمة العلاقات الإنسانية وحدود الاعتراف بالآخر.وتكمن أهمية الفيلم في جمعه بين حس اجتماعي واضح ومقاربة شخصية هادئة، يقودها أداء غسان سعد بعيداً عن المبالغة. غير أن رغبته في التأمل تضعه أمام تحدي الحفاظ على التوتر السردي، حتى لا يتحول الهدوء إلى تكرار أو يصبح الغموض بديلاً عن التطور الدرامي.ومع مشاركته في مسابقة الجونة، يأتي الفيلم حاملاً سؤالاً يتجاوز القرية اللبنانية: ماذا يبقى من الروابط التي تجمع الناس حين تتعطل شروط الحياة الأساسية، وحين يصبح غياب أحدهم أقل إلحاحاً من حاجات الآخرين اليومية؟.لا يقدم «قساطل» إجابة نهائية، لكنه يذكّر بأن المجتمعات لا تُختبر فقط بما تملكه من موارد، بل أيضاً بمن تختار أن تراه، وبمن تتركه يختفي من دون أن تسأل عنه.د #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم