فيلم “شانا” للفرنسية ليلا بينل ضمن “أسبوعا صُنَّاع السينما” في مهرجان كانّ السينمائي

من مفاجآت كانّ 79.

على وقع صور تستلهم المخيال التوراتي، وموسيقى تبدو كأنها أفلتت من أحد الأفلام التاريخية في أربعينات القرن العشرين، يفتتح “شانا” للفرنسية ليلا بينل حضوره ضمن فقرة “أسبوعا صُنَّاع السينما” في مهرجان كانّ السينمائي (12 – 23 أيار). منذ اللحظات الأولى، يجد المُشاهد نفسه أمام أسلوب يزعزع اليقين ونصّ يتعمّد التفلّت من أي حقيقة مستقرة، دافعاً بنا إلى مجهول يوسّع مساحة اللبس.
يدور الفيلم بأكمله حول الفتاة شانا (إيفا هو)، وتجوالها القلق في عالم لا يرحمها. منذ خروجها من منزل أحد الأصدقاء ليلاً، وإحساس المرارة جراء خناقة مع إحدى القوّادات يتأكلها، وصولاً إلى ذلك السؤال العابر الذي يتسرّب إلى داخلها (“ماذا لو جرّبتُ الحبّ مع الفتيات؟”)، يقدّم الفيلم اقتراحاً سينمائياً طازجاً ومربكاً في آن واحد، يزاحم، من حيث الجرأة والحيوية، أبرز أفلام المسابقة هذا العام. ولعلّني كنت سأمرّ عليه مروراً عابراً لولا توصية صحافي لفتني إليه. فالأقسام الموازية في المهرجانات الكبرى كثيراً ما تبقى أسيرة فضولٍ محدود، ينتقل همساً من فم إلى أذن، فيما تتكفّل المسابقة احتكار الأضواء.
شانا هي محور الفيلم ونواته الصلبة. الشخصية التي تتشكّل من خلالها نظرتنا إلى الأشياء المحيطة بها، فنفهم الآخرين بعينيها، ونتقبّلهم أو ننفر منهم عبر حساسيتها المرتبكة والمتقلّبة. كلّ شيء يمرّ عبرها، حتى الشخصيات الثانوية تبدو كأنها تنال وجودها من احتكاكها بها.
ثمّة في هذا العالم الكثير من العابرين: وجوهٌ تظهر ثم تتلاشى، كأن الفيلم يتعمّد إبقاءها في هامش الحياة لا في مركزها. في المقابل، هناك شخصيات ثابتة تثقل الحكاية بحضورها، وفي مقدمها أم شانا (نويمي لفوفسكي) وشقيقتها (أناييس مونا)، إذ تتخذ العلاقة بينهنّ طابعاً إشكالياً: قسوة واعتماد متبادل، وحنان مكتوم بمرارة قديمة.
أما الشخصية الأكثر حضوراً، فهي تلك التي بالكاد نراها: حبيب شانا (سيكوبا دوكوريه) القابع في السجن. رجل تافه ومدمَّر، يتاجر بالمخدّرات، وسبق أن مارس العنف عليها، ومع ذلك تبقى، لسبب غامض وعصيّ على الفهم، مشدودة إليه. تدير شؤونه من الخارج في انتظار خروجه، وتعيش علاقتها به كمن يتمسّك بصورة متداعية يعرف مسبقاً أنها لن تنقذه.
تصعب مقاربة الفيلم بمعزلٍ عن البيئة التي يتشكّل داخلها: بيئة يهود فرنسا، وتحديداً الذين قدموا من المغرب بعد اقتلاعهم منه، ثم أعادوا بناء حياتهم في وطن جديد مع احتفاظهم بكثيرٍ من الطقوس والتقاليد التي يفيض بها الفيلم. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه التقاليد نفسها تصبح موضع مساءلة على يد الجيل الثالث من هؤلاء المهاجرين؛ أي شانا، التي تبدو كأنها تنتمي إلى هذا العالم بقدر ما تتمرّد عليه. ولذلك، فنحن لسنا حيال فيلم احتفالي بالهوية. تراقب بينل هذه البيئة بعين نقدية ساخرة، من دون أن يتحوّل النقد إلى غايته النهائية أو شعاره المعلن. فالفيلم، في جوهره، معنيّ أولاً وأخيراً بمحاولة العثور على موطئ قدم لليهودية داخل عالم متبدّل ومرتبك. ومع ذلك، يتسرّب نقدٌ ذاتي حادّ إلى تفاصيله كلها، تقوده شانا من حيث لا تدري، عبر الإيماء، وعبر التلميح والغمز بدلاً من المواجهة. يكفي أن تصنع المخرجة، عبر المونتاج، خطّين متوازيين بين سن التكليف الديني وشانا وهي تطلي أظفارها، كي تظهر طبيعة هذا الفيلم: عملٌ يضع شخصياته، ومشاهديه معها، في حالة تيه دائم، حيث لا أحد يعرف على وجه اليقين إلى أين تمضي الخطوات، ولا ما الذي يقودها في الأصل.

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم