بين قداسة الكلمة ومرارة الواقع.. فيلم “شاعر” يفكك أوهام المثقف المهزوم
علي المسعود
يغوص فيلم “شاعر” للمخرج بين قداسة الكلمة ومرارة الواقع.. فيلم “شاعر” يفكك أوهام المثقف المهزوم ميسا سوتو في حياة أوسكار، الشاعر الخمسيني المحبط الذي يصارع الإدمان والفشل الاجتماعي في أزقة ميديلين الكولومبية. وعبر محاولته العبثية لإنقاذ موهبة فتاة مراهقة، ينسج الفيلم دراما قاسية عن نرجسية المثقف وهشاشة الفن أمام قسوة الواقع، مؤكدا أن محاولة إنقاذ الآخرين ما هي إلا هروب من مواجهة الذات المنهزمة.
فيلم “شاعر” للمخرج الكولومبي سيمون ميسا سوتو يتمحور حول شاعر لم يوفر له الشعر أساسيات العيش الكريم، وهو الذي لا يجيد ولا يعشق سواه، فيتحول إلى إنسان مدمن بائس وتضطرب علاقاته بكل من حوله، بما فيهم ابنته التي أصبحت تخجل من سلوكه وهيئته. الفيلم عرض في مهرجان الجونة السينمائي وفاز بجائزته الذهبية، وقبل ذلك فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي. وقد تم تصوير الفيلم بألوان جميلة مقاس 16 ملم من قبل المصور السينمائي خوان سارمينتو جي.
شاعر هجر الشعر
تدور أحداث القصة في ميديلين وتتبع أوسكار ريستريبو (الذي يلعبه أوبيمار ريوس)، وهو شاعر نشر كتابين في شبابه، وهو الآن في الخمسينات من عمره، يجد نفسه عاطلا عن العمل ومطلقا ويعيش مع والدته المسنة. يسكر ويجادل أصدقاءه في الشارع حول من هو أفضل شاعر كولومبي. تحثه أخته على العثور على وظيفة وتخبره بصراحة أنه سيكون بلا مأوى عندما تموت والدتهم، وتشعر ابنته المراهقة بالحرج من زيارته لمدرستها.
يحاول الشاعر المتخم بالأحلام والأماني، أن ينسى خيبته في الانغماس في الكحول والسخرية. يقبل الوظيفة كمدرس شعر في مدرسة ثانوية في ميديلين. في الحي المكون من الطبقة العاملة، يلتقي بمراهقة تدعى يورليدي، موهوبة جداً في الشعر والرسم، ولكنها تفضل العمل في صالون الحلاقة وتصفيف الشعر وتلميع الأظافر على أن تصبح شاعرة؛ فهي فتاة صغيرة لا تدرك موهبتها.
دون تردد، سيحاول أوسكار إقناع يورليدي باستغلال موهبتها وتسجيلها في مسابقة شعرية للشباب، تصبح عنده بمثابة البديل لكل ما فشل هو في تحقيقه في مجال الشعر.
وأوبيمار ريوس الذي يقوم بدور الشاعر أوسكار هو ممثل غير محترف، لكنه بتكوينه الشكلي وقدرته على التماهي مع الشخصية بدت كما لو كانت تعكس مشاعره الذاتية الداخلية، فمنح الفيلم كل قوته وجاذبيته، ولا شك أن الفضل يعود إلى المخرج في قدرته على السيطرة الكاملة على الأداء، وعلى التجول داخل ذهنية إنسان يشعر أن العالم كان قاسيا عليه، لكنه سيصبح عندما يبدأ في مواجهة حقيقة نفسه وحقيقة قدراته، أكثر قدرة على تجاوز محنته.
شاعر لم يوفر له الشعر أساسيات العيش الكريم فيتحول إلى إنسان مدمن بائس وتضطرب علاقاته بكل من حوله
علاوة على ذلك، فإن النظرة إلى الدعوة التحررية ولكن أيضا إلى الرهانات الاقتصادية للفن تسلط الضوء بشكل حاد على التناقضات وحتى التلاعب في بيئة سريعة. لا يتجاهل الفيلم الروائي الطويل القضايا الاجتماعية التي تمر عبر كولومبيا مع استقطاب قوي للطبقات الاجتماعية.
و”شاعر” هو الفيلم الروائي الثاني للمخرج سيمون ميسا سوتو، مثير للاهتمام لأنه يطور قصة غير عادية في السينما، قصة رجل مدهش يحتاج إلى الاعتراف بموهبته الشعرية، يحاول استعادة طعم الشعر. إنه أيضا وقبل كل شيء رجل مليء باللطف ومسالم ولا يؤذي ذبابة، على العكس من ذلك، فإن الأشخاص من حوله ليست نواياهم طيبة تجاهه دائما. كان يصر على البحث عن معنى لحياته بطريقة غير مقبولة تولد الانزعاج والقلق، بدءا من عائلته.
من ناحية أخرى، يكشف الفيلم بمهارة كبيرة عن العلاقة بين الأب وابنته، في مواجهة أب غائب على وجه الخصوص وليس له وجود في حياتها، في حين أن الرابطة التي يخلقها مع الطالبة الشابة صاحبة الموهبة الشعرية يورليدي جميلة جدا وصادقة؛ ربما تكون تعويضا عن الرابطة المفقودة مع ابنته.
يبدو فيلم المخرج الكولومبي سيمون ميسا سوتو “شاعر”، الذي تم عرضه في قسم “نظرة ما” في مهرجان كان السينمائي، وأعيد عرضه في مهرجان الجونة الأخير، وكأنه قصة رائعة أكثر من كونه قصيدة سينمائية. يصور هذا الفيلم بروح الدعابة المحاولات العبثية لهذا الرجل وكيف يسعى لكسب لقمة العيش من إبداعه بينما يفشل في إعالة نفسه. تتأرجح نغمة الفيلم بين العبثية والجدية والسخرية، وهو مزيج قد يبدو غير مستقر، لكن يتقنه سوتو ببراعة بفضل سرد دقيق وفعال. كما أن نجاح الفيلم في كونه بنكهة كوميدية ومؤثراً يجعله إنجازا رائعا.
في أحد المشاهد، تنتهي الدعوة الكارثية لقراءة قصائده في حدث ثقافي بشكل سيء عندما يدخل المسرح في حالة سكر وينطلق في خطبة حول عدم جدوى حياة الفنان. أثناء الضحك على هذه التقلبات والمنعطفات، يكتشف الجمهور أيضاً أوسكار باعتباره خاسرا أبديا وحيدا يحب النساء في حياته ويتبع قانونه الأخلاقي الخاص. وعلى الرغم من أنه عنيد ولا هوادة فيه، إلا أنه يتمتع بحدس واضح لما كان ينبغي أن تكون عليه حياته.
يتجلى البعد الساخر لـ”شاعر” عندما يجد الشاعر أوسكار للطالبة يورليدي مكانا في مدرسة شعرية مرموقة. يفتتن مديرو المؤسسة الثقافية بموهبة الطالبة ويحاولون جعل هذه الفتاة السمراء الصغيرة ذات الأصول المتواضعة تعويذتهم الرابحة، ويستخدمونها لأغراض الدعاية والتبرعات. هذا الهجاء للمؤسسات الفنية وممثليها يبدو حقيقيا. يظهر المخرج سوتو هؤلاء المتظاهرين دون رضا عن الذات: فنانون يدعون أنهم مرشدون، ورعاة يستخدمون أموالهم وسلطتهم للوصول إلى عالم الفن واللعب في الانتماء إليه، والرعاة الأجانب الذين يرغبون في الظهور بمظهر تقدمي من خلال دعم الفن والأدب لأغراضهم ومقاصدهم الربحية.
ومع ذلك، ضمن هذا النقد الحاد، يحتفظ المخرج سوتو بتركيزه على العلاقة النامية بين يورليدي وأوسكار، قد لا يكون لديهما ما اعتقدا أنهما سيجدانه في بعضهما البعض، لكنهما ما زالا قادرين على إجراء التواصل والتلاقي.

يشكك الشاعر بصراحة في الشعر وقيمته لتبرير فشله، ويعتبر هذا الإبداع الأدبي قد عفّى عليه الزمن في مجتمعنا الحديث؛ الشعر الذي أصبح علامة اجتماعية لأجيال متقدمة في السن وسط فورة التكنولوجيا والسوشيال ميديا. عندما يقدم أوسكار تلميذته الشابة، التي تلعب دورها ريبيكا أندرادي، ببراعة، لزملائه في جمعية الشعر، فإنهم يدركون موهبتها، لكنهم يطلبون منها كتابة “الشعر الاجتماعي”، لأن هذا هو ما هو متوقع منها، وما هو متوقع من فتاة من حي فقير. وهم على يقين من أن هذا هو ما سيرضي شخصية الراعي الأجنبي، وهي امرأة شقراء طويلة ذات ابتسامات خادعة.
تعيش يورليدي مع عمها وعمتها وشقيقتيها، اللتين بالكاد خرجتا من سن المراهقة وهما أمان بالفعل، في غرفة مشتركة كبيرة حيث تتشابك ألحفتهن أمام جهاز تلفزيون مضاء.
لكن نظرة سيمون ميسا سوتو لا تقع أبداً في بؤرة البؤس: الشاعرة الشابة تحب حياتها، ولا تريد الخروج من أصولها، وتحلم فقط بأن تكون مصففة شعر، أو خبيرة تجميل، وأن تصبح أماً يوماً ما. الشاعر أوسكار وأحلامه العظيمة بالنجاح، بالإضافة إلى نرجسيته في غير محلها كمثقف، ستدفعه إلى تعاسته وسقوطه في الإدمان على الكحول واليأس.
ابنة ثانية
تبدو محاولات البطل لمساعدة يورليدي ضد إرادتها الحقيقية فهي تفضل أن تزين أظافرها مع صديقتها بدلاً من الذهاب إلى الندوة الشعرية حيث يتناوب الشعراء الشباب للتعبير عن مشاعرهم، وحده هو من يحاول إنقاذها ورعاية موهبتها في الشعر. إنه يود أن تصبح الشاعرة المعترف بها. كما أنه يعوض فشله مع ابنته، التي لم يعد حاضنا لها وتخجل منه ومن إدمانه للخمر. لكن المغزى من القصة يكاد يكون مريرا: أنت لا تنقذ نفسك بمحاولة إنقاذ شخص آخر، عليك أن تنقذ نفسك أولاً، لذا سيتعين على أوسكار أن يجد الطريق بطرق أخرى، بعد فشله المرير مع يورليدي في الحفل الذي كان من المفترض أن يكرس للتعريف بموهبتها.
يستعرض أوسكار اكتشافه للشعراء الشباب في الجمعية، ولكن الفتاة تخيب ظنه، وينتهي به الأمر في حالة سكر وفاقدا للوعي بعد شرب الشمبانيا.
الفيلم يجنح أحيانا ليحلق في سينما التفلسف والتأمل في المصير الفردي لرجل فشل في أن يصبح شاعرا
في الفصل الثالث، تنهار العلاقة بين أوسكار ويورليدي. تصبح العلاقة بينهما هي النواة الدرامية للفيلم. إنه يسقط عليها كل ما يعتقد أنه فقده: الموهبة، والنقاء، والشباب، والإمكانات. ومع ذلك، فهي لا تريد أن تُنقذ أو تُشكَّل. يتفادى الفيلم بذكاء المجاز المبتذل صورة “المرشد القديم الذي استعادته ملهمة شابة”، وبدلاً من ذلك يكشف كيف يمكن أن تصبح هذه الديناميكية أنانية، وحتى هالة الفداء أو الادعاء الشعري تصبح خطيرة.
تساءل المخرج ميسا سوتو عن شخصية الفنان أو الشاعر كمنقذ، والمعلم كمرشد أخلاقي، والرجل كوصي على موهبة الآخرين، في أحد أقوى مشاهد الفيلم حين تواجه يورليدي أوسكار بسؤال مدمر: “هل هذا حقاً بسببي، أم لأنك لا تستطيع الكتابة بعد الآن؟” صمت أوسكار يستحق أكثر من أي قصيدة.
والسيناريو، الذي كتبه ميسا سوتو أيضا، يتحرك بذكاء بين الشفقة والمهزلة والنقد الاجتماعي، دون أن يفقد الإيقاع، وتبدو كل لقطة من لقطات الفيلم كما لو كانت منتزعة من قلب الواقع، لكن الفيلم يجنح أحيانا خارج الواقع، ويحلق في سينما التفلسف والتأمل في المصير الفردي لرجل فشل في أن يصبح شاعرا رغم تحقيق بعض النجاح في الماضي كشاعر، لكنه فشل بعد ذلك في أن ينمي موهبته، وكما فشل في أن يكون زوجا صالحا أو أبا لابنته التي هجرها، وهام على وجهه وظل يبحث عن ذاته، وعن نفسه الضائعة. أصبح يعيش مع أمه العجوز، ولا تكف شقيقته عن اتهامه بالفاشل وبأنه أصبح عاطلا عن العمل.
هذا الشاعر، أي أوسكار، الذي يعتقد أنه شاعر موهوب رغم أنف الجميع ورغم أن موهبته لم يعد لها وجود، يتوقف باستمرار أمام مجموعة الأشعار التي كتبها في الماضي البعيد وأظهرت موهبته وكفلت له الفوز بجائزة أدبية رفيعة. إلا أنه في ولعه الشديد بمثله الأعلى، الشاعر الكولومبي خوسيه سيلفا الذي أنهى حياته بطلقة مسدس وهو في الثلاثين من عمره، يشعر بالرغبة في هجر الحياة بالمعنى التقليدي، فلديه نزعة لتدمير الذات، فقد أدمن على الكحول واللهو والتشاجر مع أصدقائه.
لذلك يبدو الفيلم أشبه بتأملات عميقة حول عمليته الإبداعية؛ أوضح المخرج ميسا أن السيناريو كتب قبل وقت طويل من التمثيل، مع شخصية محددة بالفعل في جوهرها: شاعر محاصر في تناقضات منتصف العمر وعدم الاستقرار والصور النمطية الاجتماعية.
ويلعب أوبيمار ريوس، أستاذ الفلسفة البالغ من العمر 54 عاماً وليس لديه خبرة في التمثيل، دور أوسكار ريستريبو، عن ذلك قال المخرج “في البداية كنت أرغب في الحصول على ممثل محترف، لكن أحد الأصدقاء أرسل لي ملف عمله وقال: هذا شاعرك. ترددت لأنه كان خاصا جدا”.
وتابع “كان التصوير في ميديلين شيئا طبيعيا جدا بالنسبة لي، لأنها مدينتي، لقد ولدت وترعرعت هناك وما زلت أعيش هناك. لا أحاول تمثيلها بطريقة معينة: إنها ببساطة جزء مني. اهتمامي الرئيسي هو الشخصيات. هم الذين يروون قصة المدينة من خلال الطريقة التي يتحدثون بها ويلبسون ويتحركون ويشعرون بها”.
وأضاف المخرج “أشعر بالحاجة إلى إظهار ميديلين بلقطات كبيرة أو صور رمزية. تعيش المدينة من خلالهم، في إيماءاتهم، عواطفهم، علاقاتهم. أنا أنتمي إلى طبقة متوسطة، مثل الشاعر في الفيلم، لكنني أيضاً أذهب إلى أحياء مختلفة، وأرى تنوع الحياة اليومية”.
وأوضح “في الفيلم، نجد بشكل طبيعي الرموز الاجتماعية لميديلين: قوة الأمهات، والتضامن الأسري، والعلامات الصغيرة للحياة الكولومبية؛ التذاكر، والمنازل، والروابط المجتمعية. ما يثير اهتمامي هو الحياة لأنها تتجلى من خلال الناس”.
وفي النهاية يؤكد الفيلم أن الشعر شيء أكثر أصالة، وأنه موجود حتى لو كنا غير مدركين له. علاوة على ذلك، فإن الرجل يرفض “بيع نفسه” لتسويق موهبته التي يفترض أنها مقدسة وذات صلة، ضائعة في كتابين صغيرين متوفرين في مكتبات ميديلين، وحين تمت دعوته إلى برنامج تلفزيوني كان عاجزا عن الكلام، تاركا مسؤولا في المدينة ومغنيا يغني شيئا ليست له قيمة أو معنى…# صحيفة العرب # مجلة ايليت فوتو ارت

