فيلم ( ذكرى سنوية) للمخرج البولوني يان كوماسا:تراجيديا عائلية في زمن الأفكار الزاحفةأسامة عبد الكريم – مجلة ( سومر) السينمائيةمساء الأمس حضرتُ، بدعوة خاصة، عرض فيلم «ذكرى سنوية» ضمن عرض مخصّص لأعضاء نقابة ممثلي الشاشة (SAG-AFTRA). منذ مشاهده الأولى، يضع الفيلم المتلقي أمام عالم تتكاثر فيه الشخصيات، لكن من دون أبطال بالمعنى التقليدي؛ الجميع عالقون في منطقة رمادية، مسكونون بالسلبية، يتأرجحون بين تراجيديا عائلية مكتومة وشعور عام بالعجز. لا أحد يملك يقيناً أخلاقياً، ولا أحد ينجو من التواطؤ، حتى الصمت هنا يبدو موقفاً سياسياً غير معلن.بعد العرض، دار لقاء مع الممثلة ديان لاين، التي بدت واعية تماماً لخطورة الفكرة التي ينطلق منها الفيلم. تحدّثت عن أن «التغيير» في العمل ليس مجرد حركة سياسية صاعدة، بل فكرة كامنة، قادرة على التسرّب ببطء إلى نسيج العائلة، ثم الشروع في تقويضه من الداخل. أشارت إلى أن حواراتها مع المخرج يان كوماسا كانت محورية، لأنها لم تشتغل على النتائج، بل على الكيفية: كيف تولد الفكرة، كيف تكبر، وكيف تبدأ آثارها بالتراكم والتآكل، لا بوصفها حدثاً فجائياً بل مساراً زاحفاً.المفارقة اللافتة التي روتها لاين أن اليوم الأول المخصص للبروفات ــ وهي مشاهد طويلة ومعقّدة، تمتد إلى اثنتي عشرة صفحة وتضم ثمانية ممثلين ــ تزامن مع بدء إضراب نقابة ممثلي الشاشة. فجأة، أصبح الحديث عن السيناريو محظوراً تماماً. لم يكن الأمر مجرد عائق إنتاجي، بل تجربة وجودية غريبة: ممثلون لا يُسمح لهم بمناقشة الشخصيات التي سيجسدونها. جيل الشباب كان أكثر حزمًا في الالتزام بالإضراب، وهو ما احترمته لاين، رغم تساؤلها البديهي: هل يمكننا على الأقل أن نتحدث قليلاً؟المثير أن هذا القيد، كما تقول، خدم الفيلم في النهاية. فبدل تفريغ التوتر في النقاشات المسبقة، انتقلت كل الأسئلة مباشرة إلى الأداء. هنا يظهر أسلوب كوماسا: مخرج يشرح بدقة، ثم ينسحب خطوة إلى الخلف، تاركا ً للممثلين حرية الذهاب إلى أقصى ما يستطيعون، قبل أن يعود لاحقاً ليمسك بالعمل عبر المونتاج. كل شخصية، مهما بدت هامشية، حصلت على فرصة كاملة لتقول ما عندها، حتى لو كان ذلك عبر الانكسار أو التناقض.على مستوى القراءة النقدية، يقوم الفيلم على فكرة ذكية: عائلة تجتمع سنويًا رغم تصدّعاتها السياسية والأخلاقية. لكن تحويل هذه الدراما إلى إثارة سياسية ديستوبية يجعل العمل يراهن أكثر على القتامة من التحليل. الشخصيات تتراكم بوصفها حالات مأزومة، لا حلول لديها، ما يجعل الفيلم أقرب إلى مرآة كئيبة للواقع منه إلى تفكيك عميق له. ورغم ذلك، تظل قوة الأداء—خصوصاً من تشاندلر، داينيفور، أوبراين، ومادلين بروير—هي ما يمنح «ذكرى سنوية» ثقله الإنساني، ويجعل تراجيديته قابلة للمشاهدة، إن لم تكن قابلة للمواساة.
#سينما العالم
#مجلة ايليت فوتو ارت


