تخيل معي عالمة عبقرية فذة تُدعى ماري، تعيش منذ ولادتها في غرفة غريبة ومعزولة تماماً.
كل ما في تلك الغرفة مصبوغ باللونين الأبيض والأسود فقط؛ الجدران، والأثاث، والملابس، وحتى شاشة الكمبيوتر التي تدرس منها، لا يوجد في عالمها أي لون آخر.
لكن ماري ليست سجينة عادية، فهي تمتلك شغفاً هائلًا بالعلم، ولذلك قضت سنوات عمرها كلها تدرس فيزياء الألوان عبر كتبها الرمادية، حتى أصبحت الخبيرة الأولى في العالم في هذا المجال.
إنها تعرف بدقة متناهية الطول الموجي للون الأحمر، وتفهم كيف تسقط الفوتونات على شبكية العين، وكيف تترجمها الخلايا العصبية إلى إشارات كهربائية، وكيف يفسرها الدماغ.
باختصار، ماري تمتلك كل “المعلومات الفيزيائية” الممكنة عن اللون الأحمر، لكنها لم تره بعينها قط.
وهنا تأتي اللحظة الحاسمة في هذه التجربة الفكرية الشهيرة التي صاغها الفيلسوف فرانك جاكسون: ماذا لو فُتح باب الغرفة فجأة، وخرجت ماري إلى العالم الحقيقي، ووقع نظرها لأول مرة في حياتها على تفاحة حمراء؟
السؤال الفلسفي الذي حير العلماء هو: “هل ستتعلم ماري شيئاً جديداً في تلك اللحظة؟”.
إذا أجبت بـنعم، وأنها ستشهق وتقول “آه، إذن هذا هو شكل اللون الأحمر!”، فأنت بذلك قد نسفت -دون أن تدري- المذهب المادي الذي يدعي أن الكون مجرد ذرات ومعادلات فيزيائية، لأن ماري كانت تملك كل المعادلات وهي في الغرفة، ومع ذلك كان ينقصها شيء جوهري لم تجده في الكتب.
إنها “الخبرة الشعورية” أو ما يسميه الفلاسفة “الكواليا” (Qualia)؛ أي ملمس التجربة الحية الذي لا يمكن اختزاله في أرقام.
قصة ماري ليست مجرد لغز أكاديمي، بل هي درس وجودي عميق يمس حياتنا الرقمية اليوم.
نحن نعيش في عصر يشبه “غرفة ماري” إلى حد مخيف، نمتلك معلومات لا حصر لها عن كل شيء.
نظن أننا نعرف العالم لأننا قرأنا عنه أو شاهدناه عبر الشاشات. نعتقد أننا نعرف الحرب لأننا نتابع الأخبار، ونعرف الفقر لأننا نرى الإحصائيات.
لكن “غرفة ماري” تصدمنا بالحقيقة القائلة بأن “الخريطة ليست هي الأرض”، وأن معرفة وصف الشيء لا تغني أبداً عن معايشته.
بإمكانك أن تقرأ ألف كتاب عن السباحة وتظل تغرق إذا نزلت الماء، وبإمكانك أن تحفظ كيمياء السكر عن ظهر قلب دون أن تعرف طعم الحلاوة.
الحياة لا توجد في البيانات، ولا في الشاشات، ولا في النظريات، الحياة تبدأ فقط حين نغلق الكتب لهنيهة، ونغادر الغرفة الآمنة، ونقضم التفاحة بأنفسنا لنتذوق طعمها الحقيقي الذي لا يمكن لأي لغة في العالم أن تصفه. # شخصيات تركت اثرا # مجلة ايليت فوتو ارت.


