فنانون خالدون في ذاكرة الجمهور

( فنانون في الذاكرة )إعداد: جواد الرميثي المخرج جمال محمد ولد المخرج جمال محمد في منطقة الدوريين (الارضروملي) بجانب الكرخ من بغداد عام 1948 . تلقى أول دروسه في القراءة والكتابة داخل كتاتيب المنطقة ، قبل أن يلتحق بالمدرسة النظامية .كان من أوائل طلبة الصف الأول في مدرسة التضامن الواقعة في شارع (6) بمنطقة الدريين ، وهناك عاش مشهداً ظل يرافق ذاكرته طوال حياته ، ففي كل صباح كان يقف مع زملائه أمام المدرسة لتحية الملك فيصل الثاني أثناء مروره من قصر الرحاب متوجهاً إلى البلاط الملكي في منطقة الكسرة ، بينما كان الملك يرد التحية بيده لكل الواقفين على رصيف الشارع .كانت تلك الصور الأولى التي اختزنتها عين الطفل ، وربما كانت البداية الحقيقية لعلاقة ستستمر طوال العمر مع الصورة والمشهد .بين الصف الرابع والسادس الابتدائي انتقل إلى مدرسة الواقدي الواقعة في الشارع نفسه ، وهناك كان الفنان مكي البدري ، المشرف على الدروس الفنية ومعلم العلوم ، أول من التفت إلى اهتمام جمال محمد بالرسم والفنون والأناشيد المدرسية .لم تتوقف العلاقة عند حدود المدرسة ، بل استمرت حتى المرحلة الإعدادية ، ثم تحولت إلى نقطة مفصلية في حياته عندما تولى البدري تمهيد طريقه للقبول في أكاديمية الفنون الجميلة ، مستفيداً من علاقته بالفنان وجيه عبد الغني والأستاذ أسعد عبد الرزاق .وخلال لقائه بهما في فرقة 14 تموز ، خاض جمال اختبار القبول ، مستعيناً بصديقه صبحي العزاوي الذي دربه على أداء مشهد من مسرحية “الخطوبة” للكاتب الروسي تشيخوف ، لينجح في الاختبار ويبدأ مرحلة جديدة من حياته .في العام 1969 وخلال سنته الأولى في الأكاديمية، بدأ نشاطه المسرحي داخل النشاطات الصفية ، قبل أن يدخل في السنة الأخيرة مبنى التلفزيون لأول مرة ، ويعمل مساعد مخرج بنظام الأجور في وحدة إنتاج التمثيليات والمنوعات .وفي العام 1974 ، عُيّن رسمياً في التلفزيون مع مجموعة من خريجي أكاديمية الفنون الجميلة ، ليواصل عمله مساعداً للمخرج ، لكن موهبته لفتت الأنظار سريعاً ، فكلّفه رئيس القسم عمانوئيل رسام بإخراج أول أغنية في مسيرته ، وهي أغنية “تغريدة البلبل” للمطربة أمل خضير ، لتكون نقطة التحول التي فتحت أمامه أبواب الإخراج التلفزيوني .في الفترة نفسها انضم إلى الدكتور سعدي يونس مع مجموعة من الشباب لتأسيس فرقة (المسرح المعاصر) ، التي قدمت أول أعمالها “الاستعراض الكبير” في الساحات والنوادي والفضاءات المفتوحة ، وشارك جمال فيها بأدوار مهمة .يُعد من ابرز مخرجي التلفزيون العراقي ، حيث امتدت رحلته لأكثر من أربعة عقود ، صنع خلالها ملامح الأغنية العراقية الحديثة ، ووثق أهم المحطات الفنية والثقافية ، وفتح أبواب الشاشة أمام أصوات أصبحت فيما بعد نجوماً في سماء الغناء العربي .تتلمذ على يد المخرج عبد الهادي مبارك ، الذي عمل معه أكثر من سنتين مساعداً للمخرج في برنامج “حقيبة المنوعات” ، وهي تجربة شكلت جزءاً مهماً من شخصيته المهنية .مع اتساع نشاطه ، رشحه مدير التلفزيون سامي مهدي للمشاركة في دورة تدريبية في باريس حول تقنيات التلفزيون الملون ، فاجتازها بنجاح وبدرجة امتياز .عاد إلى العراق في وقت لم يكن قد مضى على انطلاق البث الملون سوى أشهر قليلة ، ليشارك في صناعة مرحلة جديدة من تاريخ الشاشة العراقية ، وليخرج عشرات السهرات التلفزيونية التي امتدت بين ساعة وساعة ونصف ، متعاوناً مع نخبة من الكتّاب ، منهم: سليمة خضير ، خليل الرفاعي ، حميد حساني ، نصر محمد راغب ، عبد الباري العبودي ، فاروق محمد ، وصباح عطوان . من أهم محطاته ، كان قراره استخدام الكاميرا المحمولة في تصوير الأغاني ، وهي كاميرا كانت مخصصة آنذاك لتغطية نشاطات المسؤولين الكبار .بهذه الجرأة خرج بالأغنية العراقية إلى الطبيعة ، فكانت أولى التجارب أغنية “فدوه فدوه” للمطربة أمل خضير ، وأغنية “روحي نجمة” للمطرب صباح السهل ، اللتين صُورتا في مناطق من بحيرة الحبانية ، لتبدأ مرحلة جديدة في لغة الصورة الغنائية العراقية .لم يكن جمال محمد مجرد مخرج ، بل كان أيضاً مكتشفاً للمواهب .فقد كان له دور مهم في تقديم عدد من الفنانين للمرة الأولى عبر شاشة التلفزيون ، منهم: حاتم العراقي ، كاظم الساهر ، سهى عبد الأمير ، محمد مدلول ، نزار الفارس ، علي العيساوي ، وعلي حافظ ، إلى جانب أسماء أخرى كثيرة أصبحت لاحقاً من أبرز نجوم الساحة الفنية .وسط ظروف الحصار الاقتصادي ، عندما مُنع دخول أفلام الخام السينمائية إلى العراق ، لم يتوقف عن الإبداع ، فقدم مبادرة مهمة بإخراج فيلم “كبرياء التحدي” من تأليف صباح عطوان ، الذي كان يتحدث عن بطل رياضي يتعرض الى احداث مشوقة، وعُرض بأسلوب السكرين في سينما النجاح ، في تجربة عكست قدرة الفنان العراقي على تجاوز أصعب الظروف .امتلك موهبة الكتابة والإعداد إلى جانب الإخراج ، فأعد وأخرج العديد من البرامج ، وفي مقدمتها برنامج “59 دقيقة منوعات”، الذي اعتمد في فقراته على قراءة عشرات كتب الأدب العربي واستخلاص الدرر والمعلومات منها ، ليقدمها للمشاهد بأسلوب شيق ، وهو ما جعل البرنامج يحظى بانتشار واسع .كما أجرى زيارات ومشاهدات ميدانية إلى محطات تلفزيونية في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرازيل وفنزويلا والأرجنتين وغيرها، للاطلاع على أحدث التجارب الإعلامية العالمية . قام بإخراج العديد من الحفلات المركزية ، سواء المسجلة أو المباشرة ، وكان المخرج الأبرز في تصوير عروض فرقة الفنون الشعبية وعشرات لوحاتها ، كما كان أول مخرج لبرنامج “أصوات شابة” مع الأستاذ فاروق هلال .من أبرز أعماله: كتابة سهرة تلفزيونية عن مطربات العراق في الثلاثينات والأربعينات ، بأسلوب الاستحضار الشخصي ، جسد فيها ممثلون شخصيات منيرة الهوزوز ، صديقة الملاية ، بدرية أنور ، سلطانة يوسف ، وزكية جورج ، وقد نال العمل إعجاب دائرة التلفزيون والجمهور .امتدت عدسته لتوثق لقاءات وأعمالاً مع فنانين من العراق والعالم ، بينهم الممثلة العالمية جينا لولو بريجيدا ، والمطرب الأمريكي دين ريد ، إلى جانب موفق بهجة ، فؤاد حجازي ، نصري شمس الدين ، سامي كلارك ، سميرة سعيد ، صباح ، سعاد توفيق ، كوكوش ، فضلاً عن عدد كبير من الفنانين العراقيين والعرب والأجانب .يصعب إحصاء الأغاني التي أخرجها جمال محمد ، فقد كانت حصيلته كبيرة جداً ، إذ أخرج للمطرب ياس خضر أغاني: عزاز ، تايبين ، كذاب . ولحسين نعمة: جاوبني ، تحياتي الك ، شكد صار أعرفك وغيرها . ولفاضل عواد: يلوموني ، ضوه خدك ، حاسبينك .أما مع أمل خضير فأخرج لها فدوه فدوه ، خلينا نشوفك ، أتوبه من المحبة ، أنا يا طير ، يا يمه ثاري هواي ، چي مالي والي ، كريستال وغيرها الكثير .أخرج أغلب أغاني كريم حسين ، ومنها: آني وين وأنت وين ، ما تدرين ، مرات أطلب منك تنسى ، يا ديرتي . وأخرج للمطرب كمال محمد أغنيتي معاتبين ، وما نامت الليل . ولـمحمود أنور أغاني: ما مر عليّ ، يا ريت ، صحيح ما أشوفك بعد ، شلونك أنت .وشملت أعماله أيضاً أغنية ماچنك هذاك أنت ، وأفز بالليل للمطرب ستار جبار . وأغاني لا عالبال ولا عالخاطر ، وأنت الكمر لو لاله للمطرب رياض أحمد ، إضافة إلى أعمال للمطربات أحلام وهبي ، مائدة نزهت ، وأنوار عبد الوهاب ، والقائمة تطول .ولسنوات عدة كان المخرج الرئيسي لـ (مهرجان بابل الدولي) . عضو عامل في نقابة الفنانين العراقيين منذ العام 1974 .تولى أكثر من مرة رئاسة قسم المنوعات في تلفزيون بغداد وقناة العراق الفضائية . شغل منصب مدير الإعلان والأفلام الوثائقية في شركة بابل .بعد رحلة مهنية زاخرة بالعطاء ، أُحيل إلى التقاعد بعد عام 2013 ، لكنه لم يغادر المشهد الثقافي ، إذ يعمل اليوم على جمع مذكراته تمهيداً لإصدار كتاب يوثق تاريخ التلفزيون العراقي من منظور شاهد وصانع للأحداث .ربما لا يعرف القارئ اسم المخرج دائماً ، لكنه يتذكر الصورة التي صنعت وجدانه . وفي ذاكرة التلفزيون العراقي ، تبقى صور جمال محمد شاهدة على عصر كامل من الإبداع ، وعلى رجل آمن بأن الكاميرا ليست آلة للتصوير فحسب، بل وسيلة لحفظ ذاكرة وطن . العمر المديد لفناننا القدير المخرج جمال محمد .

#جيل لن يتكرر فنانين مبدعين#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم