فراس السواح في كتابة طريق اخوان الصفا.

طريق إخوان الصفا: المدخل إلى الغنوصية الإسلامية – للدكتور فراس السواح
​«واعلم أيها الأخ، أيَّدك الله وإيَّانا بروح منه، أن لنا كُتبًا نقرؤها مما شاهَدها الناس ولا يُحسِنون قراءتَها، وهي صورةُ أشكالِ الموجودات بما هي عليه الآن … ولنا كتابٌ آخَر لا يُشارِكنا فيه غيرُنا ولا يَفهمه سِوانا؛ وهو معرفةُ جواهرِ النفوس ومَراتب مَقاماتها، واستيلاء بعضِها على بعض، وافتنان قُواها، وتأثيرات أفعالها في الأجسام من الأفلاك والكواكب.»


​يُعَد كتاب “طريق إخوان الصفا” للمفكر السوري فراس السواح دراسة معمقة ومفصلة لرسائل “إخوان الصفا وخلان الوفاء”، ويهدف إلى إثبات أن هذه الجماعة ليست مجرد حركة توفيقية بين الفلسفة والدين، بل هي مدرسة غنوصية إسلامية متكاملة، حيث استخدمت الفلسفة والعلوم كأدوات لتأسيس “طريق روحي” ينتهي بالمريد إلى المعرفة الحدسية الباطنية (الغنوص) والخلاص. يفكك السواح رسائل الإخوان ليُظهر التراتبية المعرفية التي اعتمدوها، مؤكداً أن هدفهم النهائي كان تحرير النفس من قيود المادة وإعادتها إلى أصلها الإلهي عبر المعرفة الباطنية الخالصة.

​المحاور الرئيسية

​يقوم تحليل السواح على عدة محاور رئيسية تشكل الهيكل الفكري لرسائل الإخوان وارتباطها بالغنوصية:

​1. الغنوصية كمعرفة حدسية باطنية (المدخل الفلسفي)

​يستهل السواح تحليله بتحديد مفهوم “الغنوص” (Gnosis) على أنه المعرفة الداخلية الحَدْسية التي تتجاوز حدود العقل الفلسفي والمعرفة الظاهرة للشريعة. يرى أن الإخوان لم يكتفوا بالفلسفة العقلانية (التي هي المدخل الأول)، بل استخدموها كأداة لتطهير النفس والذهن حتى يصبحا مؤهلين لتلقي الحقيقة الكلية عبر “البصيرة الداخلية” أو “الروح القدس”. هذا المحور يؤكد أن رسائل الإخوان الـ ٥٢ لم تكن مجرد كتب علمية، بل منهاج متدرج للسلوك الروحي والمعرفي يقود إلى الغنوص.

​2. التوفيق كـ “جسْر” وليس “غاية”

​يُحلل السواح مشروع الإخوان في التوفيق بين الشريعة (الدين الظاهر) والفلسفة (العقل اليوناني) والتصوف (الروحانية). ويرى أن هذا التوفيق لم يكن غاية بحد ذاته، بل كان جِسراً إجبارياً لحماية الحركة السرية من جهة، ولتوفير قاعدة عقلية يُبنى عليها الإيمان من جهة أخرى. فبالنسبة للإخوان، الدين هو “الصناعة الشريفة” والفلسفة هي “الطب النقي”، وكلاهما ضروري لعلاج النفس المريضة بجهل العالم المادي. يوضح السواح أن الإخوان يرفعون مكانة “الإنسان العاقل” الذي يؤكد إيمانه بالتفكير العقلي قبل الدخول إلى عالم الباطن.

​3. الكونيات الصدورية والتجسد الأفلاطوني المحدث

​يُفصِّل الكتاب النظام الكوني للإخوان، المستمد بشكل أساسي من الأفلاطونية المحدثة. يرى السواح أن هذا النظام الكوني الهرمي (الصدور) الذي يبدأ من الله (الواحد) وينزل إلى العقل الكلي، فالنفس الكلية، فالهيولى، فالعالم المادي، هو الأساس الذي يبرر عملية الخلاص الغنوصي. فالحياة المادية هي مجرد قفص للنفس التي صدرت من الأصل الإلهي. هذا الفهم للكون يحدد مسار رحلة النفس الإنسانية للعودة، والتي تتطلب بالضرورة التخلص من كثافة المادة عبر المعرفة.

​4. المنهاج السري والتراتبية التعليمية

​يشرح السواح كيف أن الـ ٥٢ رسالة منظمة بطريقة هرمية ومرحلية:

​أ. الرسائل الرياضية والمنطقية (الرياضيات): تُعدّ مدخلاً لتطهير العقل وتجريده من الأوهام الحسية.

​ب. الرسائل الطبيعية والفيزيائية (الطبيعيات): تُعنى بفهم العالم المادي (الأفلاك، الجغرافيا، الأجسام) وكيف أنه عالم “فساد وكَوْن”.

​ج. الرسائل النفسانية والإلهية (النفسانيات والإلهيات): وهي الذروة، حيث يتم الانتقال إلى المعرفة الباطنية، وفهم أسرار النفس، ومراتبها، والاقتراب من حقيقة الإلهيات، وهي ما يمثل “الكتاب الآخر الذي لا يفهمه سوانا”.

​ويشدد السواح على أن هذه الرسائل كانت تُدرَّس ضمن جماعة سرية ذات مراتب (كالصناعة والسياسة والناموس)، مما يؤكد الطابع الباطني الملتزم لهذه الحركة.


​خلاصة الكتاب

​يُقدِّم كتاب “طريق إخوان الصفا” قراءة ثورية لرسائل الإخوان، متجاوزاً النظرة التقليدية التي تكتفي بتصنيفهم كفلاسفة توفيقيين. ينجح فراس السواح في تقديم حجة قوية بأن الإخوان كانوا في صميمهم جماعة سرية غنوصية تسعى إلى الخلاص الروحي عبر إحياء العلوم القديمة وتوحيدها مع الشريعة الإسلامية.

​الكتاب هو دعوة لقراءة رسائل الإخوان كـ “دليل عملي” للارتقاء بالنفس، حيث تكون الفلسفة هي الخطوة الأولى، والغنوص هو الذروة، والهدف الأسمى هو معرفة النفس والكون، وهو المدخل الحقيقي إلى معرفة الخالق. يُعَدّ الكتاب مرجعاً أساسياً لكل من يسعى لفهم الأبعاد الباطنية والفلسفية العميقة في الفكر الإسلامي.

#فراس السواح #سالم يفوت #مجلة ابليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم