غياب منسي!!..!!(مسرودة خارج التجنيس)شوقي كريم حسن{ الغياب ليس مجرد فراغ، إنما هو مساحة تتشكل فيها النفوس، تصقل كل توقعاتها وأوهامها لتصل. بها الى مكامن الأسئلة الخفية داخل هذا الامتداد المليء بالأسرار والمفاجات} [حكيم شروكي]، حيث تتشابك الأصوات وظلال الذكريات، تتلوى الشوارع الموحشة تحت أقدام الليل الثملة. أصوات المولدات تتداخل و صفير الريح بين البيوت ، تتنفس المدينة بتأنٍ حذر يثير الريبة والشك. في زاوية خرساء من حي ( الملاحيس)، ثمة منزل يبدو صغيرًا على الواجهة، كبيرًا في حضوره الخفي، جلست، المعلمة التي أحيلت على التقاعد قسراً، (رضية هاشم) على كرسي خشبي ورثته عن جدها الذي أختفى فجأة. اليدان متشابكتان على حضنها، والعيون معلقة على القدر المديوف بالظلام، والذي لم يغلق منذ ثلاثة أيام، كأنه يشاركها صمت الانتظار. يغلي بصمت، فقاعاته تتصاعد ببطء، كل ثانية تحمل سؤالاً عن البعيد. ثمة رائحة، معتمدة على الحنين، تعبث في الهواء، غارسة في قلب المعلمة، شعورًا بالانتظار يمتد إلى ما لا نهاية. حين دخل الولد العشريني الشرس الملامح، بخفة متوترة، وخطوات تثقل قلبه، حاول ملأ المكان بحضوره، لكنه وجد أن الفراغ أكبر من أي محاولة.—-: يمه… ثلاثة أيام… ولم تعد، لم نسمع عنها خبراً.!!صمت ( رضيه هاشم) لم يك فراغًا، بل ثقل الانتظار،و غياب الكلام الذي يعرف أن أي كلمة تصبح مجرد صدى باهت. قالت، بصوت واهن مشحون بالصلابة:—-: البنات لا تضيع… قد يُختطفن، قد يُقتلْن، لكن لا يضيعن.!!التفت الولد النزق الافكار، ناحية الشباك، حيث تتراقص على ظلال الجدار المقابل، ببطء بحثاً عن أي أثر لها، دليل على وجودها بين الشوارع المتفرقة الصامتة :— لا يمكننا الانتظار دون نهاية… يجب أن نتحرك، أن نعرف… لنذهب إلى الشرطة.!!رفعت ( رضية هاشم) عينيها إليه، وقد حولت الصمت إلى صلابة هادئة تحمل كل قوى الانتظار: —نذهب.حتى يسجلونها مجهولة.. لا… دعها تعود بكرامتها…!!بدأ القدر يغلي، فقاعاته تصاعدت، مازحة البخار برائحة العتمة، كما لو أن الغياب بدأ يضغط على المكان. الهواء اختلط بالرعب والحنين،:– الولد (يصرخ):— ارأيتِ حتى الرز لا يريد الصمت..مالذي نجنيه من وراءالإنتظار؟!!مدت (رضية هاشم) يدها فوق القدر، كأنها تريد يقاف الزمن ، هامسة بصوت مكسور:—إذا أطفأت النار… فقد اعترفت.،،!!مرت الساعات بطيئة، جالبة معها ذاكرتين لهما طعم العلقم: الأولى عن ابنتها ، الضاحكة في شرفة البيت؛ والثانية عن المدينة، باتقاطعاتها، وحيويتها، وخيباتها الصامتة.،،!!ضوء الفجر رجع، متسللاً عبر الشباك، كاشفاً ما تبقى من القدر،رز محترق، اصابه اليباس و رائحة دخان يدفعالى القيء، جلست ( رضية هاشم) على كرسيها الاميري، متنفسة ببطء، تقرأ اللحظات بين طيات النسيان//بعض الأمهات تعودن طبخ الانتظار… حتى يحترق…!/:!لم ينته الغياب . لم يك مجرد اختفاء جسد، إنما اختفاء حياة كاملة، الأمان، في الازمنة التي تعرفها القلوب.المدينة الخرساء تتحرك ببطء، طيور ترفرف على السطوح، سيارات بدأت بالتدفق، الرياح مزجت بين القديم والجديد.!!دخل (شدهان الموسى)، يحمل صمتًا أثقل من الكلام، جالس بجوار الأم، ناظراً إلى القدر، دونما تعليق: —بحثتم في المستشفيات في الممرات المزدحمة،وقسام الانتظار؟!!لم تجبه (رضية هاشم)، محدقة في القدر، الصمت لديها أكثر صراحة من أية إجابة. الولد المهموش بالخوف جلس لائذاً بجانبها، ممسكاً بيدها، المرتعشة بقهر،الصمت ليس فارغًا لانه محمّل بكل الحضور الممكن.– الأم (هامسة): —كل يوم انتظر… اتعلم الغياب يعلّم أكثر من الحضور.!!قال— لافائدة لابد من درب يوصلناالى راحة البال،،!! اللحظة التي أمسكت بها بعناد، أشبه ببوابة لم ترها من قبل: الغياب لم يك نهاية، بل بداية معرفة عميقة، فهم أن الصبر ليس ضعفًا، وأن الحب لا يقاس بالوجود ،بل بالانتظار مهما كان صعباً. للغياب وجود في كل زاوية من البيت، في الضوء المار عبر النافذة، ليصير معنى،لدروس صامتة، في أن الحياة، مهما أوجعتنا، تستمر في حركتها، وسط، القلوب، و المدن التي تحمل الانتظار كهوية.جلس الولد الى جانب أمه، متلمساً يدها ببطء، احاسيس اليد يحمل عبء الأيام الفائته. لم تتحدث، لكن صمتها أصبح ثقيلاً بما يكفي ليخبره بأن غيابها ليس مجرد فراغ ، بل صراع مدوي ينسج وجوده في كل لحظة. : —يمه… أحيانًا أشعر أن الصمت يصرخ بصوتها، ،،لا أستطيع… تحمل العيش دون إجابة.!! لم تحرك (رضية هاشم) شفتها، ضغطت على يده، بلمسة قصيرة مليئة بموازين الانتظار،و الألم الذي لم يُسمع.: —الانتظار يعلمنا أشياءً لن تفهمها إلا حين تصنعها بألمك…لا نجدها، بل لنفهم أنفسنا.،،،!! تلك اللحظة، سمعوا صوت خطوات خفيفة على الدرج، قلب الولد تسارع، يعلم أن الحركة لا تعني أنها عادت… صوت ذكرياتها أقوى من أي حضور فعلي، زاوية في البيت استدعت صورتها، ضحكتها، رائحة شعرها، حديثها القصير عن أشياء ساذجة لكنها ثقل العالم بالنسبة لهم.، القدر ما زال يهمهم بصمت،،شعر الولد للمرة الاولى أن الصمت ليس خمولًا، إنما فعل حياة حقيقي، في ذات الوقت .بدأت الأم تتحدث، ليس لتشرح شيئًا، إنما لتشارك تجربة الانتظار المريرة:–تذكروا… نحن ننتظر كل شيء: حياة، موت، حب، كلمات لم تُقال. الغياب ليس اختفاء، بل شكل آخر من المعرفة..!!صمت الولد، فاهماً أن كل كلمة فيها فعل، وكل حرف فيه تجربة حياة لا تتوقف،، شعر أن ما فقده منذ ثلاثة أيام ليس مجرد غياب أخت، بل صراع مستمر بين الخوف والأمل،، الحقيقة والخيال.خرج الولد الذي ازداد خنوعاً إلى الشرفة، ناظراً إلى الركام الاخطبوطي الاطراف، حاساً ، بضجيجها ونارها وغيابها، تحكي له قصة.الشوارع،و البيوت، والأشجار، كل شيء يتحرك كما لو انه يختبر الإنسان على قدر صبره، و قدرة قلبه على التحمل.حين عاد إلى الداخل، جلس أمام أمه،متأملاً بخجل ملامحها الاخذةبالذبول :— يمه… اتمنى أن يسمعني الغياب…فاكتب له الشعر.. عله يستفيق،،،الأرواح التي لا تستفيقحين تنصت الى الشعر..ارواح ميته!! ابتسمت ( رضية هاشم )بخفة، لم تك ابتسامة فرح، إنما ابتسامة إدراك، أن الانتظار يصبح فعلًا إبداعيًا، وأن الغياب يمكن أن يكون حضورًا بأكثر الطرق قوة.في المساء، عندما بدأ الضوء يغرب تاركاً الغرفة في ظلال أطول، قرر الولد الخروج. لم يك يعرف ان اخته ستعود، لكنه عرف شيئًا واحدًا: —كل خطوة في الشارع،، تحمل بين طياتها معنى الانتظار .أمسك بيد أمه قبل الخروج، كأن يقوم بالاتصال الوحيد الذي يثبت أن الحياة لا تزال موجودة، و الانتظار ليس هزيمة، والغياب أصبح درسًا لا ينتهي.، بقيت ( رضية هاشم) ، تحدق في القدر المحترق،و فقاعاته، في الصمت الذي تحول إلى رفيق دائم. الاخطبوط بكله تحرك خارج النافذة، على نسق أعمق، أبطأ، وأثقل: الغياب والصبر، علماهم كيف يحبون في صمت، ويكونوا موجودين دون أن يُروا.حين عاد الليل ،لم يك مجرد وقت غياب، بل وقت وعي متشابك، يحمل درسًا للحياة، والحب.الاصوات مختلفة. لم تعد مجرد ضجيج، لها نبرة معبرة، كأنها تتحدث معهم، تحثهم على الفهم بطريقة أعمق. خرج الولد إلى الشارع، بخطوات ثقيلة، مصدرة صدى موحش، مع ليل لم ينته بعد من داخل قلبه.حين رجع إلى البيت بعد ساعات، وجد أمه جالسة، محدقة في القدر المحترق، كأنها تتحدث إلى فقاعاته. عيناها تحملان دهشة الزمن،و صمت الحياة الذي لا ينكسر بسهولة.: —تعلم… أن غيابها جعلنا نرى ما لم نره من قبل…و نحس بما لم نحس به… جعل كل شيء حولنا حيًا بطريقة لم نعتد عليها…!!:–— (يجيب بصوت مرتجف)..كل شيء حي…حتى الفراغ … أحيانًا يبدو ليِّ أن غيابها يملك حياة أطول من وجودنا.،،!!صمتت ( رضية هاشم) ناظرة إليه بابتسامة باهتة، تحمل الحزن والصبر والفهم.—: نعم… غيابها علمنا أكثر من الحضور… أكثر من أي كلام يقال… و أي أمل يمكن أن نحمله…!!جلس الولد الذي طاله الهرم، بجانب القدر، مراقباً الفقاعات المتصاعدة ببطء. كل فقاعه نبضة قلب تحمل سؤالًا عن الصبر،و الحب،.– الولد (يهمس لنفسه): إذا كان الانتظار بهذه الطريقة، فهل نستطيع تحمله إلى الأبد؟!!لم تجبه، لكنها وضعت يدها على يده، مبتسمة بخفوت معبرة عن ما لا يمكن قوله .بدأ ( رضية هاشم ) تصنع طريقة جديدة لرؤية الحياة؛ لم تعد تبحث عن الإجابات النهائية، مدركة أن غيابها ليس مجرد غياب شخص،، غياب حياة،،: —كل فقاعه من الرز… درس حياة في الحب و الصبر….!!الانتظار ليس فعلًا سلبيًا، حضور فعال، صامت أقوى من أي حركة . الفجر لم يك مجرد ضوء نبع للتو، هو بداية فهم متداخل،يشير الى إن الحياة تتشكل داخل الغياب، وأن الحب لا يقاس بالحضور ،بل بالقدرة على التحمل، القدر يغلي، فقاعاته نابضة بمعنى،،، حي متشابك كما قلوبهم، ،المليئة بالحياة، والوعي،، وبالانتظار…!!# اوروك نيوز# مجلة ايليت فوتو ارت..


