عندما حذّرت قبرص أوغاريت من العاصفة القادمة..وحين همست لنا بأخبار رسائل الطين الأخيرة.

رسائل الطين الأخيرة. . عندما حذّرت قبرص أوغاريت من العاصفة القادمة..وحين همست لنا بأخبار أيامها الأخيرة..قبل أن يبتلع الدخان والرماد مدينةً كانت من أعظم مدن الشرق القديم.
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
يسحرنا تاريخ أوغاريت بما يكشفه من تفاصيل الحياة اليومية والتجارة والدبلوماسية لكنه يزداد إثارة حين يهمس لنا بأخبار أيامه الأخيرة. فبين آلاف الرقم الفخارية التي خرجت من تحت تراب رأس الشمرة، تقف بعض الرسائل وقفة الشاهد الذي رأى العاصفة قبل أن تهب وسجل على الطين كلمات التحذير قبل أن يبتلع الدخان والرماد مدينةً كانت من أعظم مدن الشرق القديم.
وإذا عدنا إلى أرشيف هذه المدينة العظيمة نجد بانه ليست جميع النصوص المكتشفة في أوغاريت كانت نصوص لسجلاتٍ اقتصادية أو عقوداً تجارية أو مراسلاتٍ إدارية عادية فبعضها يحمل بين سطوره نبض اللحظات الأخيرة من حياة المملكة ويضعنا وجهاً لوجه أمام مشهد تاريخي بالغ الأهمية سبق سقوطها المأساوي بوقت قصير.
ففي السنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد كانت أوغاريت تعيش مرحلة دقيقة من تاريخها. وبرغم استمرار علاقاتها التجارية والدبلوماسية المزدهرة مع مصر وقبرص ومدن العالم الإيجي وبلدان الشرق القديم، كانت في الأفق مؤشرات تنذر بخطر يقترب من سواحلها.
ومن بين النصوص التي استقطبت اهتمام الباحثين رسالة اكتُشفت ضمن مجموعة من الألواح الفخارية التي تعود إلى الفترة الأخيرة من حياة المملكة. وقد نُشرت هذه الوثائق في مجلدات “أوغاريتيكا” العلمية، وشكلت منذ ذلك الحين محوراً رئيسياً في النقاشات المتعلقة بنهاية أوغاريت.
تكشف إحدى هذه الرسائل، ذات الرقم “RS 20.18” عن مراسلة قادمة من مملكة آلاشيا التي يُجمع معظم الباحثين على ربطها بقبرص القديمة.
ويخبر مرسل الرسالة وهو أحد كبار الشخصيات في آلاشيا ويدعى “إشوارو” ملك أوغاريت بأن مجموعات معادية قامت بمهاجمة سفن وأشخاص تابعين للمملكة وأنها تستعد لتحركات جديدة بواسطة أسطول يضم عشرين سفينة. ولم تكتف الرسالة بوصف الخطر بل تضمنت نصائح عسكرية واضحة تدعو إلى تحصين الأسوار وإعداد القوات والعربات الحربية والاستعداد للدفاع عن المملكة.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية استثنائية لأنها لا تمثل تحليلاً لاحقاً للأحداث بل شهادة معاصرة كُتبت بينما كانت الأخطار تقترب بالفعل من الساحل الأوغاريتي.
كما تشير نصوص أخرى من الفترة ذاتها إلى وجود أعداء يتحركون بحراً وإلى تجهيزات عسكرية واستنفار دفاعي وهي إشارات دفعت عدداً من الباحثين إلى ربط هذه الأحداث بما اصطلح على تسميته “شعوب البحر”. غير أن هذا الربط ما يزال موضع نقاش علمي واسع إذ إن النصوص الأوغاريتية نفسها لا تذكر اسم العدو بصورة صريحة كما أن هوية المجموعات المهاجمة وطبيعة دورها الحقيقي في انهيار ممالك العصر البرونزي المتأخر لا تزال من أكثر القضايا إثارة للجدل في الدراسات التاريخية والأثرية.
ويبرز في هذا السياق اسم جماعة “الشيكالايو” الوارد في أحد النصوص المكتشفة في أوغاريت وهي جماعة ارتبط اسمها في بعض الدراسات بعمليات نهب وهجمات بحرية استهدفت المدن الساحلية. إلا أن حجم تأثيرها الفعلي وعلاقتها المباشرة بدمار أوغاريت ما يزالان موضوعاً مفتوحاً للبحث وإعادة التقييم.
أما الملك عمورابي آخر الملوك اللذين حكموا أوغاريت المعروفين .. فيظهر في هذه الرسائل حاكماً شاباً يواجه ظروفاً استثنائية. وتكشف إحدى المراسلات المتبادلة مع آلاشيا عن قلق متزايد من اقتراب الخطر، كما تشير إلى تعرض بعض القرى والمناطق الساحلية للحرق والتدمير. وهنا تتحول الألواح الطينية من وثائق إدارية إلى صفحات حية من دراما تاريخية كانت تتشكل لحظة بلحظة.
وعندما ننظر إلى المشهد الأثري الذي خلفته الكارثة نجد صورة متطابقة إلى حد بعيد مع ما ترويه هذه الرسائل. فقد تعرضت أوغاريت ومدينة رأس ابن هاني لدمار واسع وغادر السكان منازلهم على عجل تاركين وراءهم مقتنياتهم وأدوات حياتهم اليومية. ولم تشهد المدينة بعد ذلك عودةً حقيقية إلى الحياة كما كانت من قبل.
ومع ذلك فإن هذه الرسائل لا تقدم جواباً نهائياً عن السؤال الأكبر:
من دمّر أوغاريت؟… فالأدلة الأثرية تشير إلى تداخل عوامل عديدة من اضطرابات سياسية واقتصادية وإقليمية إلى تحركات سكانية وصراعات عسكرية وربما كوارث طبيعية ساهمت مجتمعة في إسدال الستار على واحدة من أعظم حضارات شرق المتوسط.
وهكذا تبقى الألواح الطينية التي خرجت من تحت أنقاض القصر الملكي أشبه برسائل وصلت متأخرة لأكثر من ثلاثة آلاف عام. رسائل لا تخبرنا فقط بأن الخطر كان معروفاً قبل وقوعه .
بل تذكرنا أيضاً بأن التاريخ ما زال يحتفظ بأسراره وأن كثيراً من ألغاز النهاية الأليمة لأوغاريت ربما لا تزال كامنة في نص لم يُترجم بعد أو في لوح فخاري ما زال ينتظر أن يخرج إلى النور من بين تراب المدينة التي علمت العالم الحرف وكتبت آخر فصولها على الطين.
هذا النوع من النصوص يمنح الباحث عن الحقيقة شعوراً فريداً فهو لا يقرأ تاريخاً مضى فحسب بل يستمع إلى أصوات أناس كانوا يعيشون أيامهم الأخيرة دون أن يدركوا أن رسائلهم ستصبح بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام مفتاحاً ونقاشاً لفهم إحدى أكبر المآسي الحضارية في تاريخ الشرق القديم.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

أخر المقالات

منكم وإليكم