لا تكمن أهمية النتيجة في انخفاض نقل الحرارة وحده، إذ تواجه هندسة المواد عادةً مقايضة بين العزل والصلابة؛ فالكثير من العوازل فائقة الأداء، مثل الرغاوي والمواد الهلامية الهوائية، تحقق موصليتها المنخفضة بفضل بنيتها الخفيفة أو المسامية، لكنها تفتقر إلى الصلابة
طوّر فريق دولي بقيادة باحثين في جامعة ولاية نورث كارولاينا الأميركية غشاءً بلوريًا رقيقًا يجمع بين صلابة ميكانيكية مرتفعة وقدرة استثنائية على إبطاء انتقال الحرارة، في تركيبة غير مألوفة قد تمهد لتطوير طلاءات عازلة للأجهزة الإلكترونية والمعدات الحرارية وتطبيقات الفضاء.
وأظهرت التجارب أن المادة الجديدة سجلت موصلية حرارية تبلغ نحو 0.04 واط لكل متر-كلفن عند درجة حرارة الغرفة، وهي قيمة قياسية الانخفاض لهذه الفئة من المواد الصلبة الكثيفة وغير المسامية، وتقترب، بحسب الباحثين، من الحدود النظرية الممكنة للعزل الحراري في المواد الصلبة من هذا النوع.
ونُشرت الدراسة في دورية “Science Advances” في 18 أيلول/سبتمبر 2026، وشارك فيها باحثون من جامعات ومؤسسات في الولايات المتحدة والصين، بقيادة فريق من جامعة ولاية نورث كارولاينا.
وتقيس الموصلية الحرارية سرعة انتقال الطاقة الحرارية عبر المادة، ولذلك يشير انخفاضها إلى قدرة أكبر على العزل. وللمقارنة، تبلغ الموصلية الحرارية للسيليكون المستخدم في تطبيقات عزل حراري نحو 0.2 واط لكل متر-كلفن، أي إن القيمة التي حققتها المادة الجديدة أقل بنحو خمسة أمثال.
ولا تكمن أهمية النتيجة في انخفاض نقل الحرارة وحده، إذ تواجه هندسة المواد عادةً مقايضة بين العزل والصلابة؛ فالكثير من العوازل فائقة الأداء، مثل الرغاوي والمواد الهلامية الهوائية، تحقق موصليتها المنخفضة بفضل بنيتها الخفيفة أو المسامية، لكنها تفتقر إلى الصلابة الميكانيكية العالية.
أما المادة الجديدة فسجلت معامل مرونة يبلغ 7.7 جيجاباسكال، وهو مستوى يتجاوز معظم أنواع البلاستيك والرغاوي والمواد الهلامية الهوائية، مع احتفاظها في الوقت نفسه بموصلية حرارية شديدة الانخفاض. وقال الباحثون إن المادة أكثر صلابة من السيليكون المستخدم في العزل بما يتراوح بين 700 و10 آلاف مرة، بحسب نوع السيليكون المستخدم في المقارنة.
وتنتمي المادة إلى عائلة “البيروفسكايتات الهجينة العضوية وغير العضوية ثنائية الأبعاد”، وهي مواد شبه موصلة تتكون من طبقات عضوية وغير عضوية متعاقبة ضمن بنية بلورية منتظمة.
وعدّل الفريق البنية الجزيئية للطبقات العضوية باستبدال أجزاء من سلاسل الكربون بترتيبات مصممة تحتوي على حلقات بنزين، بهدف التحكم في حركة الجزيئات والطريقة التي تنتقل بها الاهتزازات الحاملة للطاقة الحرارية داخل المادة.
وأنتج الباحثون بهذه الطريقة غشاءً رقيقًا من بيروفسكايت قائم على أزوبنزين إيثيل أمونيوم ويوديد الرصاص، وهو التكوين الذي منح المادة مزيجًا غير اعتيادي من الصلابة والعزل.
وينسب الفريق هذه الخواص إلى الكاتيونات العضوية المصممة داخل البنية الطبقية، إذ تؤدي إلى إعاقة انتقال الحرارة من دون التضحية بدرجة كبيرة بالتماسك الميكانيكي للمادة. وتبرز النتيجة، بحسب الدراسة، قدرة الهندسة الجزيئية على فصل خاصيتين غالبًا ما تتحركان في الاتجاه نفسه في المواد التقليدية: الصلابة والموصلية الحرارية. :contentReference[oaicite:5]{index=5}
وقال الباحث المشارك دالي صن، أستاذ الفيزياء في جامعة ولاية نورث كارولاينا، إن الجمع بين هاتين الخاصيتين يمثل تحديًا أساسيًا، لأن المواد الصلبة عادةً ما تكون أكثر كفاءة في نقل الحرارة، في حين تميل أفضل المواد العازلة إلى أن تكون أقل صلابة.
وتعتمد الدراسة على أبحاث سابقة للفريق بشأن التحكم في انتقال الحرارة داخل البيروفسكايتات الهجينة الطبقية، لكن العمل الجديد انتقل من رصد السلوك غير المعتاد إلى تصميم البنية الجزيئية عمدًا للوصول إلى مستوى أكثر تطرفًا من العزل مع الحفاظ على الصلابة.
ومن المزايا المحتملة للمادة إمكانية تصنيعها في صورة أغشية رقيقة بطريقة الطلاء الدوراني، وهي تقنية تُستخدم لنشر المحاليل على الأسطح وتكوين طبقات دقيقة. ويقول الفريق إن مسار التصنيع قابل للتوسيع نسبيًا إلى مساحات أكبر، ما يتيح من حيث المبدأ استخدامها كطبقة طلاء بدل تصنيع مكونات كاملة منها.
وقد يجعل ذلك المادة مفيدة في الحالات التي تتطلب حاجزًا حراريًا رقيقًا وصلبًا، مثل فصل المكونات الحساسة للحرارة في الأجهزة الإلكترونية، أو حماية بعض الأسطح والمعدات التي تعمل في درجات حرارة مرتفعة.
وأشار الباحثون كذلك إلى تطبيقات محتملة في أدوات الطهي والمركبات الفضائية وأنظمة العزل الحراري، إضافة إلى تقنيات استعادة الحرارة المهدرة، وهي تطبيقات تحتاج إلى تقليل انتقال الحرارة من دون إضافة طبقات سميكة أو رخوة.
لكن النتائج لا تعني أن المادة جاهزة للاستخدام التجاري. فالدراسة ركزت على الخصائص الأساسية لأغشية مخبرية، وخصوصًا الموصلية الحرارية ومعامل المرونة، ولم تعرض جهازًا تجاريًا أو اختبارًا طويل الأمد للمادة داخل بيئة تشغيل فعلية.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


