عشتار.. الإلهة التي جمعت بين الحب والحرب
قبل آلاف السنين، في بلاد الرافدين، حيث قامت مدن عظيمة على ضفاف دجلة والفرات، ظهرت واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في أساطير الشرق القديم: عشتار، إلهة الحب والخصوبة والحرب.
لم تكن عشتار شخصية بسيطة يمكن وضعها في خانة واحدة؛ فقد جمعت في صورتها تناقضات غريبة، فكانت رمزًا للحب والجمال والخصوبة، وفي الوقت نفسه ارتبط اسمها بالقوة والمعارك والانتصار.
وتروي الأساطير أن عشتار كانت صاحبة شخصية قوية لا تقبل الهزيمة، وكانت تُصوَّر أحيانًا وهي تحمل السلاح، في إشارة إلى جانبها الحربي، بينما ارتبطت في طقوس أخرى بالحب والإنجاب وازدهار الأرض.
رحلة إلى العالم السفلي
ومن أشهر حكايات عشتار وأكثرها إثارة قصة نزولها إلى العالم السفلي، عالم الموتى، الذي حكمته أختها إريشكيغال.
تقرر عشتار النزول إلى ذلك العالم، وقيل إن سبب رحلتها كان رغبتها في الوصول إلى أسرار العالم السفلي، أو المشاركة في مراسم مرتبطة بوفاة زوج أختها.
لكن الوصول إلى مملكة الموتى لم يكن سهلًا.
عند كل بوابة من بوابات العالم السفلي، كان حارس البوابة يطلب من عشتار أن تخلع جزءًا من زينتها وثيابها قبل السماح لها بالعبور. ومع كل بوابة كانت تفقد شيئًا من مظاهر قوتها ومكانتها، حتى وصلت في النهاية إلى أختها عارية من رموز السلطة.
وهناك تغيّر كل شيء.
أمرت إريشكيغال بحبس عشتار، فغابت الإلهة عن العالم.
ومع غيابها، بدأت الحياة نفسها تتعطل؛ إذ توقفت مظاهر الخصوبة، ولم تعد الكائنات تتكاثر كما كانت. وكأن الأسطورة أرادت القول إن غياب الحب والخصوبة لا يؤثر في البشر وحدهم، بل في دورة الحياة بأكملها.
عشتار تعود من الموت
وبعد أن طال غيابها، تدخلت قوى أخرى لإنقاذها، وأُرسلت إليها وسائل لإعادتها إلى عالم الأحياء.
لكن عشتار لم تستطع العودة بسهولة؛ إذ كان عليها أن تترك بديلًا عنها في العالم السفلي.
وهنا اختارت زوجها دوموزي، المرتبط في الأسطورة بالخصوبة والرعي.
وبحسب الرواية الأسطورية، أصبح دوموزي يقضي جزءًا من العام في العالم السفلي، بينما يعود إلى عالم الأحياء في الجزء الآخر، في تفسير أسطوري لدورة الفصول وتجدد الحياة.
أسطورة بقيت آلاف السنين
لم تكن عشتار مجرد إلهة في الأساطير الرافدية، بل تحولت إلى رمز بالغ التعقيد للحياة والموت والحب والحرب والخصوبة.
وتُربط عشتار بالنجمة الثمانية، التي أصبحت من أشهر رموزها، كما ارتبطت بالكوكب الذي نعرفه اليوم باسم الزهرة، الذي يظهر في السماء تارةً كنجم الصباح وتارةً كنجم المساء.
ولعل أكثر ما جعل قصة عشتار آسرة أنها لم تقدم بطلة مثالية، بل شخصية قوية ومتناقضة: تحب وتحارب، تمنح الحياة وتدخل عالم الموتى، وتفقد قوتها عند البوابات ثم تستعيدها من جديد.
وهكذا بقيت عشتار، بعد آلاف السنين، واحدة من أشهر الشخصيات التي تركتها حضارات بلاد الرافدين في ذاكرة التاريخ، شاهدةً على عالم قديم كان يحاول تفسير الحب والموت والخصوبة ودورة الحياة من خلال الأسطورة.





