عامودا…مدينة الشعراء والذاكرة الحية في قلب الجزيرة السوريةعامودا…مدينة الشعراء والذاكرة الحية في قلب الجزيرة السوريةفي أقصى الشمال الشرقي من سوريا، وعلى مسافة قصيرة من مدينة القامشلي، تنتصب مدينة عامودا كواحدة من أبرز مدن الحسكة وأكثرها ثراءً بالذاكرة التاريخية والتنوع الثقافي. هذه المدينة التي تتبع لها أكثر من 160 قرية، تبدو اليوم كجزيرة إنسانية نابضة بالحياة وسط سهول الجزيرة الخصبة، حيث تلتقي الزراعة بالتاريخ، وتتشابك الحكايات الشعبية مع الوقائع المدونة في كتب الرحالة والمؤرخين.تشهد التلال الأثرية المنتشرة في محيط المدينة على عمق الاستيطان البشري في هذه البقعة من الجزيرة الفراتية. فمواقع مثل تل موزان وتل شاغر بازار، إلى جانب تل گري شرمولا، تحمل بين طبقاتها آثار حضارات تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، ما يجعل عامودا جزءاً من الجغرافيا التاريخية التي ازدهرت فيها حضارات بلاد الرافدين والشرق الأدنى القديم.وفي قلب المدينة يرتفع الجامع الكبير، أحد أقدم معالمها الدينية، بمئذنته الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها نحو خمسة وثلاثين متراً، وكأنه حارس لذاكرة المكان. ولم يكن هذا المسجد مجرد موضع للصلاة، بل شكّل في النصف الأول من القرن العشرين مركزاً تعليمياً مهماً من خلال المدرسة الدينية التي عُرفت باسم “حجرة عامودا”، حيث تخرج فيها طلاب العلوم الشرعية واللغوية قبل أن ينتشروا في أرجاء المنطقة. إلى جانب ذلك، تحتضن المدينة كنائس تاريخية مثل كنيسة عامودا القديمة وكنيسة مار إلياس الحي، في مشهد يعكس تاريخاً طويلاً من التعدد الديني والتعايش الاجتماعي.وتتميّز عامودا بنسيجها السكاني المتنوع؛ فقد استقرت فيها عبر الزمن جماعات مختلفة من الأكراد والعرب والسريان والأرمن، ما منحها طابعاً ثقافياً متعدداً انعكس في لغاتها المتداولة وتقاليدها الاجتماعية. وتشير مصادر تاريخية إلى أن المنطقة كانت تُعرف قديماً باسم “سهل ماردين”، نسبة إلى قربها الجغرافي من مدينة ماردين قبل رسم الحدود الحديثة بين سوريا وتركيا في مطلع القرن العشرين.وقد مرّ بالمنطقة عدد من الرحالة والعلماء الذين وثّقوا ملامحها المبكرة، ومن بينهم العالم العراقي محمود الآلوسي الذي ذكر في رحلته عام 1267هـ أن عامودا كانت قرية صغيرة تضم نحو سبعين بيتاً ومسجداً، فيما أشار الجغرافي ياقوت الحموي إلى ازدهار مدن الجزيرة الفراتية وأسواقها التجارية التي كانت تعبرها القوافل.اقتصادياً، ارتبطت حياة المدينة منذ نشأتها بالزراعة، إذ تنتشر في سهولها زراعة القمح والشعير والعدس والقطن، إلى جانب الخضروات الموسمية، بينما حافظت الحرف التقليدية مثل النجارة والحدادة والخراطة على حضورها في الحياة اليومية للسكان، إضافة إلى تربية المواشي التي شكلت جزءاً من اقتصاد الريف المحيط.غير أن ما يميّز عامودا أكثر من غيره هو لقبها الفريد: “مدينة الشعراء والمجانين”. وهو وصف شعبي لا يحمل دلالة سلبية بقدر ما يشير إلى كثافة الحياة الثقافية فيها وشغف أبنائها بالأدب والفكر. فقد خرج من هذه المدينة عدد من الأدباء والشعراء البارزين،حتى شاع القول الطريف إن “كل شخصين في عامودا ثلاثة شعراء”. تبدو عامودا مدينة صغيرة في الجغرافيا، لكنها واسعة في التاريخ والخيال الثقافي؛ مدينة احتفظت بذاكرتها عبر القرون، ونجحت في أن تكون جسراً بين حضارات الماضي ونبض الحياة المعاصرة في الجزيرة السورية………………………… #سوريات_Souriat مجلة ايليت فوتو ارت.


