عاج أوغاريت

حين يروي السرير الملكي طقوس السيادة..

حين يحضر عاج مملكة أوغاريت فنحن لا نتحدث فقط عن مقتنيات أثرية بل عن “نصوص بصرية” صامتة دوّنها الفنان السوري القديم بأزاميل من الدقة والجمال لتُحاكي خلود الرقم الطينية.
​يُعتبر هذا العمل الفني المحفوظ في متحف دمشق الوطني مع غيره من المكتشفات الأثرية الهامة التي اكتشفت خلال مواسم تنقيبية سابقة واحداً من أرقى ما قدمته الحضارة الأوغاريتية السورية للعالم.
هذا المشهد المحفور على العاج ليس مجرد زينة لسرير ملكي بل هو إعلان عن “شرعية الحكم” و”القداسة الملكية”.
​ بلاغة المشهد: القوة في حضرة المباركة
​للوهلة الأولى قد يظن الرائي المعاصر أنه أمام مشهد “إخضاع” لكن العين الخبيرة بالتاريخ تدرك أننا أمام فعل طقسي (Ritual) عظيم.
​الملك نقماد الثاني: يظهر بملامحه الواثقة وزيّه الأوغاريتي الأنيق يمسك بيده اليمنى سيفاً (أو خنجراً طقسياً)، بينما يده اليسرى تستقر على رأس الشخص الجاثي أمامه.
​ لم تكن هذه الحركة إشارة للقتل بل هي لفعل طقسي ورمزية “المسح الملكي” أو “المباركة العسكرية”. هنا يمنح الملك “القوة” أو “الحماية” لأحد قادته أو رعاياه. إنها لحظة انتقال البركة من يد الملك (ظل الإله على الأرض) إلى الجندي أو الكاهن.
​​تُظهر الحواف والخطوط في هذا النقش مدى تأثر أوغاريت بالروح الفنية السورية المطعّمة بملامح من حضارات الجوار (مصر وبلاد الرافدين).
إنه التلاقح الحضاري: عندما كانت أوغاريت في قلب العالم القديم..
لكن الفنان الأوغاريتي صبغها بهويته الخاصة فخفة الحركة وتفاصيل الثنيات في الرداء وتلك الجدائل المنسدلة تعكس ذوقاً ساحلياً رفيعاً جعل من العاج الأوغاريتي ماركة مسجلة في القصور القديمة من “حتوشا بلاد حثي إلى “طيبة فى مصر”.
​ف​اختيار العاج لهذه اللوحات لم يكن عبثاً فرمزية العاج مادة نبيلة عصية على الزمن ترمز للنقاء والثراء مادة الخلود..
وعندما ينام الملك على سرير مُحاط بهذه المشاهد فإنه يحيط نفسه بحماية “الطقس” وتاريخ الأجداد ليكون نومه استراحةً للمحارب واستيقاظه تجديداً للعهد مع مملكته.

إن الملك “نقماد الثاني” الذي حكم لثلاثة عقود لم يترك لنا فقط معاهدات ورُقماً بل ترك لنا “الجمال” كأداة سياسية.
هذا السرير هو ديوان من العاج يروي كيف كانت أوغاريت تجمع المجد من أطرافه: قوة السيف
وقداسة الطقس
ورقّة الفن.
​ستبقى أوغاريت حكاية عشق أبدية تتجدد مع كل مكتشف
ورقيم
و كل قطعة عاج تخرج من ترابها
هي نبضة قلب جديدة في جسد التاريخ السوري.

عاشق أوغاريت…غسّان القيّم.
.

𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم