ظواهر ميكانيكا الكم في الذرات والجسيمات الصغيرة فقطرحلة العلم نحو فهم التأثيرات الكمومية في الأجسام الكبيرة.

حين تصبح ميكانيكا الكم “كبيرة”: رحلة العلم نحو فهم التأثيرات الكمومية في الأجسام الكبيرةفي قلب الفيزياء الحديثة يكمن سؤال يبدو بسيطًا لكنه يفتح أبوابًا من الغموض: لماذا تظهر ظواهر ميكانيكا الكم في الذرات والجسيمات الصغيرة فقط، بينما تختفي تقريبًا في الأشياء التي نراها في حياتنا اليومية؟ هذا هو التحدي الذي واجهه علماء الفيزياء لعقود، وجعل من عالم الكم — حيث يمكن للجسيم أن يكون في أكثر من حالة في نفس اللحظة — يبدو وكأنه مملكة لا تنتمي للعالم الكبير الكلاسيكي. الكمومية: من الذرات إلى الأجسام الأكبرمنذ بداياتها في أوائل القرن العشرين، أظهرت ميكانيكا الكم سلوكيات غريبة: كأن يمر إلكترون عبر حاجز كما لو كان موجة بدلًا من أن يكون جسيمًا صلبًا، أو أن يكون في حالتين في وقت واحد. هذه الظواهر كانت تُلاحظ عادةً في الجسيمات الدقيقة — مثل الإلكترونات والفوتونات — وتشكل أساسًا للتقنيات الحديثة مثل أشباه الموصلات والليزر. لكن السؤال الأعمق الذي شغل الفيزيائيين طويلاً كان: إلى أي مدى يمكن لهذه السلوكيات أن تمتد؟ هل يمكن أن يظهر شيء يشبه السلوك الكمومي في أشياء أكبر بكثير من الذرات؟ وهل يمكن لهذه التأثيرات أن تُثبت في التجارب؟ الجواب على هذا السؤال قاد إلى تجارب واكتشافات تحدّت الافتراضات التقليدية عن حدود العالم الكمومي. العديد من الجسيمات الكبيرة في حالة الكمومية — تجربة “قطة شرودنغر” الحقيقيةفي عام 2025، تقدّم فريق من الباحثين خطوة نوعية في هذا المجال عبر تجاربهم على جسيمات نانوية ضخمة نسبيًا — تماثل أكثر من 7,000 ذرة في كتلها ومساراتها. في هذه التجارب، استخدم العلماء تداخل الموجات الجسيمية لإظهار كيف يمكن لهذه الجسيمات أن تظهر سلوك تراكب كمومي مماثل لمفهوم “قطة شرودنغر”، حيث يكون الكيان في أكثر من حالة في نفس الوقت. هذه التجربة تعد قفزة نوعية في مجال ميكانيكا الكم لأنها تظهر سلوكًا كموميًّا في نظام أكبر بكثير من الجسيمات المفردة، وتضع حدًا أدنى جديدًا لما يمكن أن يكون “كموميًا” ويُقرأ في المختبر، بدل أن يظل حكرًا على الذرات وحدها. تجارب ميكانيكا الكم على المقاييس الكبيرة: من الكهرباء إلى المواد الميكانيكيةالتجارب التي قادت إلى جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2025 لعبت دورًا محوريًا في هذا المجال. ثلاثة علماء — جون كلارك، ميشيل ديفور، وجون مارتينيس — عملوا منذ ثمانينيات القرن الماضي على أنظمة كهربائية محسوسة يمكن أن تُظهر ظواهر الكم بطريقة يمكن رؤيتها وقياسها. باستخدام دوائر فائقة التوصيل وما يُعرف بـ “وصلة جوزفسون” (Josephson junction)، أثبت هؤلاء العلماء أن النظام يمكن أن يُظهر:“نفقًا كموميًا” على مستوى يمكن لمقياس كهربائي كشفه، حيث تتجاوز الحالة الكمومية حواجز تبدو فيزيائيًا غير قابلة للعبور في النظريات الكلاسيكية.تكميمًا للطاقة في أنظمة مكونة من مليارات الجسيمات تعمل معًا كوحدة واحدة. هذا العمل أظهر لأول مرة أن سلوكيات ذات طابع كمومي لا تقتصر على الإلكترونات منفردة بل تمتد إلى أنظمة كبيرة يمكن رؤيتها والتعامل معها بشكل مباشر. لم يعد الكمّ محصورًا في الذرات فقط؛ بل يمكن أن يجد تتجليات واضحة في الأنظمة الهندسية الكبيرة. التحكم في الأنظمة الميكانيكية الكبيرة: ظاهرة الكم في العتاد الماديفي نفس السياق، أظهرت دراسات حديثة أن أنظمة ميكانيكية أكبر — مثل مذبذبات وأجزاء ميكانيكية معقدة — يمكنها أن تُظهر سلوكًا كموميًّا جماعيًا. في هذه التجارب الحديثة، لوحظ سلوك جماعي كمومي لمجموعة من المذبذبات الكبيرة نسبياً، حيث تتصرف الأنظمة كما لو أنها تتحرك “كموجة” موحدة وليس كمجموعة من الأجسام الصلبة المنفصلة. هذا النوع من التحكم في الحالة الكمومية ليس فقط مغرٍ من الناحية النظرية، بل يفتح الباب أمام تطبيقات قد تعيد تعريف أساليب الاستشعار والقياس على مقاييس أكبر بكثير. حالة الكم مقابل التفسير الكلاسيكي: أين يختفي الطابع الكمومي؟السؤال الأعمق محوريًا في هذه الأبحاث هو لماذا تختفي الخصائص الكمومية في الأشياء الكبيرة؟ وُضع العديد من النظريات لتفسير ذلك، من بينها فكرة أن الجاذبية أو العوامل البيئية تسبب انهيار الحالة الكمومية (decoherence) حين يرتفع عدد الجسيمات في النظام. أحد الأطر المقترحة لهذا التفسير هو معادلة شرودنغر–نيوتن، التي تقترح أن الجاذبية قد تكون عاملاً في الانتقال من السلوك الكمومي إلى السلوك الكلاسيكي حين يزداد الحجم. لماذا هذا مهم؟توسيع نطاق رؤية ميكانيكا الكم إلى أشياء أكبر من الذرات يمس جوهر فهمنا للطبيعة. إنه يقربنا من لحظة يمكن فيها ربط العالم الكمومي بعالمنا اليومي بشكل مباشر — ليس فقط في المعادلات، بل في الأجهزة والتجارب التي يمكن رؤيتها وقياسها. هذه الأبحاث لا تقتصر على فضول نظري؛ بل هي أساس الثورة التقنية القادمة في الحوسبة الكمومية وأجهزة الاستشعار فائقة الحساسية وحتى في فهمنا لطبيعة المادة نفسها. رحلة تمديد التأثيرات الكمومية من عالم الذرات إلى نطاقات أكبر هي واحدة من أكثر مغامرات العلم إثارة في القرن الواحد والعشرين. لقد أثبتت التجارب الحديثة أن ما كان يُعتقد أنه عالم من الصغر الشديد يمكن أن يتسع ليتضمن أنظمة أكبر بكثير، وأن ميكانيكا الكم لا تزال أسرارها تتكشف أمام أعيننا. ومع استمرار البحث، من المحتمل أن نصل إلى فهم أعمق للحدود بين الكم والكلاسيكية — بل قد نجد أن هذه الحدود أقل وضوحًا مما تخيلنا يومًا. #QuantumPhysics#MacroscopicQuantum#QuantumResearch#FutureOfScience # الباحث محمد علي #مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم