ظل انطون تشيخوف محاطاً بمزيج غريب من الحب والمرض والسخرية-مشاركة:جودت هوشيار

تشيخوف: اعطوني زوجة مثل القمر ، لا تظهر في سمائي كل يوم

جودت هوشيار

كان أنطون تشيخوف في الحادية والأربعين من عمره عام 1901، عندما تزوج الممثلة المسرحية الشهيرة أولغا كنيبر. لم يكن تشيخوف متحمساً للزواج والحياة الزوجية؛ تردد طويلاً، وحاول أن يحتفظ بمساحته الخاصة، لكنه انتهى إلى الزواج من المرأة التي أحبها، وإن ظلت علاقتهما مختلفة عن صورة الزواج التقليدي.

فلم تتح لهما حياة زوجية مشتركة بالمعنى المألوف. كان تشيخوف يعاني من مرض التدرّن الرئوي المزمن، الذي لم يكن له علاج فعّال في ذلك الوقت، ولم يكن أمام الأطباء سوى محاولة التخفيف من آثاره عن طريق الراحة والتغذية الجيدة والعيش في مناخ معتدل. ولهذا نصحوه بالابتعاد عن موسكو والانتقال إلى ساحل البحر الأسود.

اختار تشيخوف مدينة يالطا، وبنى فيها منزله الذي عُرف لاحقاً باسم «البيت الأبيض». وهناك شعر ببعض التحسن، وأصبح البيت، مع مرور الوقت، ملتقى لكبار الكتاب والفنانين.

أما أولغا، فكانت تعيش معظم الوقت في موسكو، حيث كانت تعمل في المسرح، وتأتي إلى البيت الأبيض من حين إلى آخر. وكان تشيخوف، بدوره، يسافر إلى موسكو لمشاهدة العروض الأولى لمسرحياته، التي كانت أولغا تؤدي في بعضها أدواراً رئيسية.

وكان هذا التباعد، على ما يبدو، يناسب طبيعة تشيخوف أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. فقد كتب ذات مرة في دفتر يومياته عبارة تختصر فلسفته في الزواج: «أعدكم أن أكون زوجاً مثالياً، ولكن أعطوني زوجة مثل القمر، لا تظهر في سمائي كل يوم».

ولعل أولغا كانت بالفعل المرأة التي تناسب سماء تشيخوف: قريبة بما يكفي لتضيء حياته، وبعيدة بما يكفي لكي لا تطغى عليها.

لكن مرض تشيخوف كان يزداد خطورة. وخلال زيارتي لمتحف تشيخوف في ميليخوفو، أسرّ إليّ أحد الباحثين في حياة الكاتب وأدبه برواية تتعلق بالأيام الأخيرة من حياته. قال إن تشيخوف لم يكن راغباً في مغادرة يالطا، لأن الأطباء كانوا قد حذروه من الرحلات المرهقة بالقطار. غير أن أولغا ألحّت عليه بالسفر إلى ألمانيا، حيث كان يأمل أن يجد علاجاً لحالته.

وفي 3 يونيو 1904، غادر الزوجان متجهين إلى مدينة بادن فايلر الألمانية. ومن هناك كتب تشيخوف رسائل إلى شقيقته ماشا، بدا فيها متفائلاً بتحسن صحته، بل وجد وقتاً لانتقاد طريقة لباس الألمانيات!

لكن التحسن لم يكن سوى استراحة قصيرة قبل النهاية. ففي 15 يوليو 1904، توفي أنطون تشيخوف في بادن فايلر، عن أربعة وأربعين عاماً.

ثم أضاف الباحث الروسي، هامساً، رواية بدت لي أشبه بمشهد من إحدى قصص تشيخوف الساخرة: كانت أولغا، على حد قوله، تريد أيضاً أن تستفيد من الرحلة إلى ألمانيا لصنع طقم أسنان جديد.

لا أدري مدى صحة هذه الرواية الأخيرة، لكن المفارقة فيها تشيخوفية بامتياز: رجل يحتضر بسبب مرض عضال، وزوجته تسافر معه إلى ألمانيا أملاً في إنقاذه، وربما كانت تفكر، في الوقت نفسه، في أسنان جديدة.

وهكذا، حتى في آخر فصول حياته، ظل تشيخوف محاطاً بذلك المزيج الغريب من الحب والمرض والسخرية، وهو المزيج الذي جعل من حياته نفسها، أحياناً، واحدة من أكثر قصصه إنسانية.

أخر المقالات

منكم وإليكم