أشباح الليل: كيف ترى الخفافيش بعقولها قبل عيونها؟!
حين يهبط الليل وتخفت سيادة البصر، لا يسود السكون كما قد نتصور. في السماء المظلمة تبدأ عروض جوية مذهلة، تقودها كائنات صغيرة تتحرك بخفة لا تصدق. الخفافيش، في ظلامٍ تعجز فيه أرقى تقنيات الرؤية الليلية عن المواكبة، تطير بسرعات قد تتجاوز خمسين كيلومتراً في الساعة، تلتف بين الأغصان الدقيقة، وتلتقط حشرات لا يكاد يُرى حجمها. هذه القدرة لا تنتمي إلى عالم السحر، بل هي نتاج فهم فطري عميق لقوانين الفيزياء الصوتية، تجسده آلية حيوية متقنة تُعرف بتحديد الموقع بالصدى.
تنطلق هذه القصة من الحنجرة، حيث يولّد الخفاش نبضات صوتية قوية في نطاق فوق سمعي، بترددات عالية جداً تصل أحياناً إلى مئات الكيلوهرتز. قد يبدو اختيار هذه الترددات المرتفعة غريباً، لأنها تفقد طاقتها بسرعة ولا تنتشر لمسافات بعيدة، لكن الفيزياء تفسر هذا القرار بدقة. فالتردد العالي يعني طولاً موجياً قصيراً، وهذا الطول الموجي الصغير هو الشرط الأساسي لاصطدام الموجة بأجسام دقيقة مثل الحشرات. لو كانت الموجات أطول، لانحرفت حول الفريسة بفعل الحيود، ولما عاد أي صدى يُذكر، فتختفي الحشرة صوتياً رغم وجودها.
بعد إطلاق النبضة، تبدأ الموجة رحلتها في الهواء حتى تصطدم بجسم ما، فينعكس جزء من طاقتها عائداً. هنا يبدأ الدور الحقيقي للدماغ، الذي يعمل كمنظومة حسابية فائقة السرعة. من خلال قياس الفارق الزمني بين إرسال النبضة واستقبال الصدى، وبالاعتماد على سرعة الصوت في الهواء، يستطيع الخفاش حساب المسافة الفاصلة بدقة مذهلة وفي زمن بالغ القصر، ما يسمح له بتعديل مساره فوراً أو تنفيذ هجوم خاطف.
لكن الصورة لا تكتمل عند تحديد المسافة وحدها. فالخفاش يستفيد أيضاً من تأثير دوبلر، إذ يراقب التغير الطفيف في تردد الصدى العائد. اقتراب الفريسة يرفع التردد، وابتعادها يخفضه، ومن هذا الانزياح يستنتج الخفاش سرعة الهدف واتجاه حركته. بهذه الطريقة تتشكل لديه خريطة حسية غنية، أشبه بصورة رباعية الأبعاد، تجمع بين الموقع والحركة والتغير المستقبلي، وكل ذلك دون الاعتماد على الضوء.
تقف هنا أهمية بيئية لا تقل روعة. فالخفافيش تمثل خط دفاع طبيعي ضد الحشرات الضارة، حيث يلتهم الفرد الواحد آلاف الحشرات في ليلة واحدة، مساهماً في حماية المحاصيل وتقليل الحاجة إلى المبيدات الكيميائية. أما الأنواع التي تتغذى على الفاكهة والرحيق، فهي عنصر أساسي في تلقيح النباتات ونشر البذور، وتلعب دوراً محورياً في تجدد الغابات الاستوائية واستمرار سلاسل غذائية كاملة يعتمد عليها الإنسان.
لذلك، عندما تصادف خفاشاً قرب منزلك أو مزرعتك، لا تنظر إليه ككائن غريب أو مصدر إزعاج. أنت أمام شريك بيئي صامت، يعمل كل ليلة للحفاظ على التوازن الطبيعي من حولك. حمايته ليست مجرد تعاطف مع الطبيعة، بل استثمار مباشر في صحة البيئة، واستقرار الزراعة، وراحة الإنسان نفسه.
# مجلة إيليت فوتو آرت


