شبكة لا تكاد تُصدَّق. هكذا بُنيت شبكة الأوعية الدموية داخل الكلية؟!انظر إلى هذه الصورة جيدًا. ما يبدو للوهلة الأولى كأنه شجرة حمراء غريبة هو في الحقيقة نموذج ثلاثي الأبعاد لشبكة الأوعية الدموية داخل الكلية.ليست رسمة، وليست شبكة صُنعت بالكمبيوتر، بل هي أثر حقيقي للممرات التي كان الدم يجري داخلها.كيف نشأت هذه الشبكة أصلًا؟الكلية لا تستطيع أداء وظيفتها بمجرد وجود شريان كبير يدخل إليها.فالدم يجب أن يصل إلى مساحات هائلة من النسيج، وإلى ملايين الوحدات الكلوية الدقيقة التي تقوم بالترشيح.لذلك تبدأ القصة من:الشريان الكلويفروع أكبرفروع أصغرشُعيرات دقيقة جدًاشبكات حول الوحدات الكلوية والأنابيبوالأروع أن الكلية تستخدم ترتيبًا خاصًا جدًا للأوعية:الشريان الوارد ثم الكبيبة ثم الشريان الصادر ثم الشعيرات المحيطة بالأنابيب / الأوعية المستقيمة.أي أن الدم لا يصل إلى الكلية عشوائيًا، بل يمر عبر سلسلة منظمة من التفرعات والأوعية الدقيقة حتى تتم عملية الترشيح وإعادة الامتصاص والتبادل.لكن كيف حصل العلماء على هذه الصورة؟هنا تبدأ المفاجأة.يمكن استخدام تقنية تُعرف باسم القالب الوعائي بالتآكل (Vascular Corrosion Casting).تُحقن مادة راتنجية سائلة خاصة داخل الأوعية الدموية، فتملأ الراتنجات الأوعية حتى الفروع الدقيقة جدًا.ثم تُترك المادة حتى تتصلب داخل شبكة الأوعية.والآن لدينا مشكلة:الراتنج موجود داخل الأوعية، لكن الكلية نفسها تحيط به من الخارج.لذلك تُعالج العينة بمواد تؤدي إلى إزالة أو هضم الأنسجة العضوية، بينما يبقى الراتنج المتصلب محافظًا على شكل الفراغ الذي كانت تشغله الأوعية.والنتيجة مذهلة:الكلية تختفي… لكن شبكة الأوعية التي كانت بداخلها تبقى كقالب ثلاثي الأبعاد.وهذا تقريبًا ما تراه في الصورة.والأجمل: الراتنج لا يصنع الشبكة!هذه نقطة مهمة جدًا.العالِم لم يجلس ليصنع آلاف التفرعات يدويًا.ولم يرسم هذه الشجرة.ولم يخترع شكلها.الأوعية الحقيقية الموجودة أصلًا هي التي حدّدت شكل الراتنج.الراتنج دخل في الممرات الموجودة بالفعل، ثم تصلب.لذلك عندما أزيلت أنسجة الكلية، بقيت أمامنا بصمة ثلاثية الأبعاد لشبكة الأوعية الأصلية.كأنك ملأت شبكة أنابيب معقدة بالشمع، ثم أزلت الأنابيب من حول الشمع.سيبقى أمامك شكل الشبكة من الداخل.من الكبير إلى الصغير… ملايين التفرعاتتأمل الصورة:وعاء كبير نسبيًا يتفرع إلى أوعية أصغر، ثم أصغر، ثم أصغر…وهكذا تستمر عملية التفرع حتى تصل إلى أوعية دقيقة للغاية.وهذا يشبه شجرة مقلوبة رأسًا على عقب:جذع كبيرفروعفروع أصغرشبكة دقيقة للغايةلكن في الكلية توجد إضافة مذهلة:في الكبيبات، تتشكل شبكة شعيرية كثيفة جدًا تسمى الكبيبة (Glomerulus)، حيث يمر الدم عبر شعيرات دقيقة تسمح بعملية الترشيح.ثم لا ينتهي الأمر هنا؛ فالدم الخارج من الكبيبة يدخل في شبكة أخرى من الأوعية حول الأنابيب الكلوية.إذن لدينا نظام وعائي ليس مجرد «أنبوب يدخل وأنبوب يخرج»، بل هندسة متكاملة من التفرعات والمرشحات والشبكات الدقيقة.والأعجب من ذلك كله: هذه الشبكة لم تُبنَ من الخارج!أثناء نمو الجنين، تتكون الأوعية الدموية من خلايا تتمايز وتهاجر وتتجمع، وتنمو الأوعية وتتفرع عبر عمليات من تكوّن الأوعية الدموية وغيرها من آليات التوجيه.وتتأثر هذه العملية بإشارات جزيئية توجه نمو الأوعية نحو المناطق التي تحتاج إلى الإمداد.فتنشأ شبكة تستطيع:إيصال الدم إلى مناطق واسعة.زيادة مساحة التبادل.توفير الأكسجين والمواد اللازمة للخلايا.نقل الفضلات.وتنظيم عملية ترشيح الدم في الكلية.أي أن الصورة التي أمامك ليست مجرد «أوعية كثيرة».إنها بنية ثلاثية الأبعاد مرتبطة بوظيفة محددة للغاية.ولهذا فإن الصورة تحمل درسًا مذهلًا:نحن لا نرى الدم هنا بل نرى الأماكن التي كان الدم يمر فيها.لقد أُزيلت الكلية، وأُزيلت الأنسجة، وبقيت مادة الراتنج التي ملأت شبكة الأوعية.فما أمام أعيننا هو، بطريقة ما، خريطة ثلاثية الأبعاد للطرق التي بناها الجسم للدم داخل الكلية.قال تعالى:﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾شبكة تبدأ بوعاء يمكن رؤيته بالعين، وتنتهي بتفرعات مجهرية لا تكاد تُرى وكلها داخل عضو صغير نسبيًا، وكل فرع منها مرتبط بوظيفة.وهنا يصبح السؤال ليس فقط: كيف تبدو هذه الشبكة؟بل: كيف أمكن لنظام بهذا التعقيد أن يتشكل وينمو ويتصل ويعمل بهذه الدقة؟م . #ماهر_بقجه_جي#مجلة ايليت فوتو ارت.


