شارلمان العظيم ترك ورائه امبراطورية واسعة وورث ابنه لويس التقي» مهمة الحفاظ عليها.

تبلغ الإمبراطوريات ذروة مجدها، ثم تبدأ رحلة الانقسام بمجرد غياب القبضة الحديدية التي وحدتها. ترك الإمبراطور العظيم «شارلمان» إمبراطورية واسعة تضم أجزاء كبيرة من أوروبا الغربية والوسطى، وورث ابنه “لويس التقي» عبء الحفاظ على هذا الإرث المترامي الأطراف. بوفاة لويس عام 840م، انفرط عقد العائلة، وتجلت طموحات الأبناء في السيطرة والسيادة.

أغرى بريق التاج أبناء لويس الثلاثة، ودفعهم لنسج تحالفات حاسمة. طالب الأخ الأكبر «لوثير» بالسيادة على كامل أراضي الإمبراطورية، محتفظًا بلقب الإمبراطور الأوحد. أثار هذا الطموح حفيظة أخويه «لويس الجرماني» و«شارل الأصلع»، فبادرا إلى توحيد صفوفهما وعقد تحالف عسكري وثيق تعاهدا عليه في «قسم ستراسبورغ» الشهير عام 842م لكسر هذه الهيمنة. أثمر هذا التعاون المشترك عن انتصارات حاسمة في أرض المعركة، وأجبر لوثير على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والقبول بتقسيم الإرث في «معاهدة فردان» عام 843م.

بموجب المعاهدة، نال لوثير «مملكة الفرنجة الوسطى»، وهي شريط جغرافي طويل يمتد من قلب إيطاليا جنوبًا إلى شواطئ بحر الشمال. اتسمت هذه المملكة بتنوع ثقافي مفرط وتباعد جغرافي شاسع، وافتقرت إلى عوامل التماسك الداخلي التي تضمن بقاءها واستقرارها. وحصل شارل الأصلع على مملكة الفرنجة الغربية، بينما اخذ لويس الجرماني مملكة الفرنجة الشرقية.

بوفاة لوثير، خضعت أراضيه لتقسيمات عائلية متتالية بين أبنائه، وتعرضت لضغوط وتوسعات مستمرة من المملكتين المجاورتين. ابتلعت مملكتا الفرنجة الشرقية والغربية أجزاءً واسعة من هذا الشريط الأوسط بالتدريج، لتتفكك المملكة الوسطى وتتلاشى. تحولت تلك الأراضي المتنازع عليها إلى ميدان خصب لرسم وتطوير الحدود السياسية لدول أوروبا في العصور اللاحقة.

مثلت هذه الممالك البدايات الجنينية والمسارات التمهيدية لأمم أوروبا المعاصرة. فقد احتاجت هذه الكيانات الوليدة إلى قرون طويلة من التطور التاريخي والتشكل الثقافي لتتبلور وتصنع في النهاية ملامح «فرنسا» و«ألمانيا» الحديثتين، واضعةً بذلك حجر الأساس لخريطة أوروبا التي نألفها اليوم.

#حقبة تاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم